يأسى دفتر الخريف، كما أسِيَ دفتر الصيف، على الأشياء المحبوبة الآفلة، والأطراف المشلولة الهامدة، والنفوس الرقيقة المحتضرة، ويحتفي برسومها وشخوصها الباقية على سطوح اللوحات، وفي زوايا الكتب، ويتتبع آثارها في خرائب الذاكرة وأطلال الوجدان.

يبدأ دفتر الخريف بملاحظات سيزان عن تفاحاته المصورة في لوحات الطبيعة الساكنة، وخشيته من ذبولها بعد عمر قصير من الافتتان بجمالها والتماعها في عيون الناظرين. ويلتقط الدفتر من رواية التكرلي (الوجه الآخر) فكرة (الحصان المحتضر) ويقارنها بلوحة الرسام فائق حسن، ثم تثب الملاحظات نحو العالم المستوحد في لوحات الرسام الأميركي أندرو وايث وتستقر في عيني (كريستينا) الزاحفة في حقل فسيح.

ظلت لوحة أندرو وايث (عالم كريستينا) أحبّ اللوحات إلى نفسي، وأذكاها لمشاعر الأسى والتعاطف، أعود إليها بين حين وآخر، أتنفس من هوائها أريج الحقول البعيدة، الساكنة بعشبها أو العازفة على أوتار الرياح الخريفية المبكرة في نهاية موسم الحصاد ألحان الخلوة والانفراد. لا أعرف صلة (كريستينا) بوايث الذي رسمها حين كانت فتاة شابة عام 1948، ملقاة في منحدر تل، تنظر إلى مجموعة بيوت في خط الأفق البعيد، باركة عاجزة عن مواصلة الصعود. كما رسمها في لوحة انفرادية عام 1967 .

وهي امرأة كبيرة تختلس نظرة جانبية. أما كريستينا الحقيقية فتجمعها مع الرسام وايث صورة فوتوغرافية من عام 1950، ينظران خلال نافذة لعلها نافذة أحد البيوت في أعلى التل، يبادلان كريستينا النظر البعيد حين كانت شابة ملقاة بين الأعشاب في اللوحة الأولى.

نجهل الصلة بين الموديل والرسام، لكننا نتعرف تدريجياً أسلوب وايث في رسم اللوحات المائية بالفرشاة الجافة، وطريقته في خلط الألوان مع مواد كالجص والغراء وزلال البيض لاستخلاص مزيج (التامبيرا) الذي سبق الرسامين الأميركيين إلى استعماله في رسم الوجوه بتقنية تحاكي وضوح التصوير الفوتوغرافي.

ولا يكترث وايث إلى مدى علاقته بالموضوع الذي يرسمه، أو دقة المحاكاة التصويرية، ما دام عمله يفصح في النهاية عن عمق مشاعره إزاء الموضوع بوضوح وتركيز شديد. إن (اللوحة العظيمة تمر إلى الداخل خلال قمع ثم تخرج منتشرة من قمع آخر) كما يعتقد وايث. (من حديثه عن حياته وفنه في مجلة : فنون عربية 1 ـ 1982). ونحن نرى عالم كريستينا في المحيط الذي أحبه ونشأ فيه والتقط منه موضوعاته بتركيز شديد: التلال الريفية والمنازل الخشبية المنعزلة ومخازن الغلال.

لكن اكتشاف (عالم كريستينا) يسبق هذا التاريخ، ويوازي مسرات عالم ( النوم على سطوح الفنادق ) بعد جولات طويلة في سوق المجلات القديمة المتصل بسراي بغداد العثماني. اشتريتُ في إحدى الجولات أربعة أعداد متفرقة من مجلة (لايف) ممسوساً بلهفتي لاستعراض صورها الفريدة قبل وصولي المنزل الملحق بالمدرسة الابتدائية التي أعلّم فيها بريف (الديوانية) منتصف الأعوام الستينية.

كانت صور هذه المجلة هي (الأقماع) الرحمية التي مرت منها أجنتي القصصية قبل أن تخرج وتنتشر من (أقماع) النشوة والاكتشاف وشفافية التحول من الصورة إلى مكان قصصي آخر. تصفحت المجلات الأربع في طريق العودة من بغداد إلى الديوانية، وهالني أن تختفي عوالم أندرو وايث المرسومة بدقة شعورية وتركيز شديد في أحد أعداد (لايف). أذهلتني رسومه الملقاة في الطرف الآخر من الريف البعيد، وإيحاء أشكالها بخريفها الوشيك مثل عشب يابس، ونداء وجوهها العميق غير المسموع وراء أقنعتها البشرية المغضنة.

هنا التقيتُ كريستينا في عالمها الشاسع الموحش، تدير وجهها نحو قمة تل تتناثر عليه أشكال منزل ذي طابقين ونافذتين علويتين ومدخنتين، محاط بثلاثة أبنية واطئة متناثرة. تكبو كريستينا وسط أنصال الأعشاب الطويلة اليابسة، تستند إلى يديها النحيلتين البارزتين من ثوب وردي قصير الأكمام، وترخي قدميها الكليلتين خلفها في جوربين أبيضين وحذائين جلديين، تتسرب من جسدها الممدد ملامح الشباب الغض، وأحلام الصيف المجزوزة في نصف قوس حول التل، تنتظر عوناً أو تأمل في يد تنتزعها من عجزها ووحدتها.

لم تكن هناك ـ في البعيد ـ سوى عين جامدة خلف إحدى نوافذ المنزل تبادلها النظر. وغير هذا الشعور الخفي بوجود من ينظر إلى كريستينا من بعيد، فإن اتساع حقل الأعشاب وسكونه الموحش سيجرفان الفتاة الهامدة في وسط اللوحة إلى قمع بعيد القرار، ثم يقيمانها على ساقيها لتواصل الصعود إلى قمة التل.

زاملتني اللوحة سنوات حتى تمزقت أطراف المجلة، بعد أن تعلمت منها تقنيات (النظرة المتبادلة) ولمسات (الفرشاة الجافة) على الوجوه القمعية التي يسوقها القدر في طريقي. آنذاك حلّت فترة (أحلام السطوح) ففقدتُ المجلة بين الأسرّة الحديدية المنصوبة تحت نجوم بغداد الصيفية المطالع. كنت أعود إلى الفندق في شطر من الليل، فأصعد إلى السطح باحثاً عن سرير فارغ، متخطياً أجساد النزلاء المرصوفة، وأرقد مثلها بلا حراك.

وفي ليلة مقمرة بدا سطح الفندق أشبه بسطح سفينة متمايلة، يرقد ملاحوها جسداً لصق جسد، يغسلهم رذاذ القمر، يئنون أنين التيه والاحتضار. بزغ حلمي محاكياً قصيدة (الملاح العجوز) لكولردج، وفي الليالي التالية انساقت إلى سطح فندقي أحلام (الحصان المحتضر) في إثر قراءة رواية (الوجه الآخر). مارستْ رسوم أندرو وايت تأثيرها على موضوعات محكياتي التي كنت أختلقها بعد ضياع المجلة وقتاً طويلاً.

دخلت ثيمة (الكلاب الميتة) و(الخيول المحتضرة) أكثر من عمل قصصي قصير أو طويل، قرأته في فترة (أحلام السطوح). حبكَ الروائيون الساكنون على السطوح العالية خيوط حياة إنسانية تسكن في أدنى السلالم، وارتبطوا مع أبطال أعمالهم برباط (النظرة المتبادلة) والموازاة بين احتضارهم ونهايات حيوانات نافقة على نواصي الشوارع وأطراف المدن الكبيرة. ولم تكن قراءتي لروايات فترة السطوح بريئة من الانطباع الموحش الدخيل من عالم الكائنات الضعيفة الذي تمثله لوحات أندرو وايث خير تمثيل.

تدخلت كريستينا البعيدة في مقارنتي بين الحصان المحتضر وحياة سعدية العمياء زوجة محمد جعفر، بطلي رواية (الوجه الآخر). ولا أعرف كيف انتقلت فكرة الاحتضار من الرواية إلى لوحة فائق حسن (في انتظار النهاية) التي رسمها عام 1976.

تسرد اللوحة حكاية حصان هزيل يقف إلى جوار هيكل عظام مهر نافق، واجماً إزاء جمجمة حصان ثالث تتقدم اللوحة، ويلف الأشكال الثلاثة لون الموت البنفسجي المعتم، المحدق ببقايا الحياة الصفراء الخابية. لا تتميز لوحة فائق حسن عن عالم اندرو وايث إلا بضربات فرشاة الرسام العراقي، توزع ألوانها العكرة بإرادة عمياء مفزوعة، تحاكي ضربات الريح على أبواب الأفق المشحون بسحب الحرب الوشيكة (حرب الخليج الأولى، أو الحرب العراقية الإيرانية).

أما سرد فؤاد التكرلي لمشهد الحصان المحتضر (1960) فأتى بعد إيداع البطل زوجته العمياء لدى عائلتها في بعقوبة، في نهاية سلسلة من المواقف العابثة الخالية من الشفقة.

شاهد ركاب السيارة التي يستقلها بطل الرواية هذا الحصان : (كان واقفاً كالحجر قرب منحدر أجرد تحت الشمس اللاهبة ورأسه ورقبته منخفضتان إلى مستوى جسمه. تذكر فجأة أنهم رأوه حين ذهابهم إلى بعقوبة. كان لونه أملح يميل إلى السواد وجسده مليئاً بالبثور والكدمات.

لم يلفت بصره آنذاك، إلا أن منظره يؤلمه الآن. كان استسلاماً مريعاً للموت، ولكنه لا يزال يشترك مع بقية المخلوقات في هذه الحياة. إنه يعيش مثلهم، على شفا الهاوية. كانت عظامه بارزة تحت الجلد، ومنخفضا بطنه يكوّن ظلاً عميقاً).

ولاتزال كريستينا تتدخل في عالمنا، وتتطلع إلى ما تبقى من أوراق غير مكتوبة في دفتر الخريف. وكم تفزعني نظرتها البعيدة، إذ لا أعرف من يبادلها النظر الآن، في هذا الموقع القريب من الدفتر.

mkhudayyir@yahoo.com