بالمقلوب ليست مسرحية جديدة لميشيل فينافير فقد كتبها عام 1979 في إصدارها الأول حيث كتبها لتسعة ممثلين وأخرجها آنذاك المخرج الفرنسي جاك لاسال عام 1980 في مسرح شايو الوطني في باريس. ثم أعاد فينافير كتابتها عام 2002 وفي هذا الإصدار الثاني للمسرحية زاد عدد الشخصيات فأصبحوا 29. أما عن العمل الحالي فقد تم تحضير ورشة عمل في مسرح باريس الشرقي أشرفت عليها المخرجة الفرنسية كاترين آن.
ويستمر العرض في مسرح أرتيستيك أتيفان حتى الثلاثين من شهر أكتوبر. وقد اهتم الكاتب ميشيل فينافير بورشة العمل تلك وأراد إخراج المسرحية بعشرين ممثلا.
في هذا العمل نراه يطبق المبادئ التي دافع عنها دائما فيما يتعلق بزوال الجدار الرابع وبالديكور وبأهمية التقيد بالنص أثناء الإخراج. تدور أحداث المسرحية حول شركة برونزكس التي تنتج الكريم الشهير مي فا سول، وبينما تشهد الشركة ازدهارا في إنتاج وتسويق هذا الكريم، تظهر السيدة بيندكت دو بوربون بوجنسي، وهي امرأة معروفة كانت قد أصيبت بسرطان جلدي نتيجة تعرضها للشمس.
تجري تلك السيدة سلسلة لقاءات مع صحافي يحاورها علي قناة تلفزيونية ويسألها عن تطور مرضها بشكل مستمر. في هذه الأثناء تتدهور مبيعات شركة برونزكس مما يدفع بالمساهمين الأساسيين في هذه الشركة إلى مناقشة الآثار الفعلية لهذا التدهور ولعلاقات العمل التي تبدأ من الموظفين العاديين إلى المساهمين وحتى رئيس الشركة.
نرى على الخشبة الدائرية للمسرح بعضا من الكراسي يتوزع حولها الممثلون العشرون حيث يتحركون من مقاعدهم بين الجمهور الذي يحيط بالخشبة. نرى طاولة مستديرة في الوسط تستعمل في العرض تارة للإيحاء بغرفة الاجتماع وتارة بأنها مكتب لأحد الموظفين. لا يخلو المكان من بعض المقاعد المتحركة التي تتوضع عليها الشخصيات وتتحاور في ثنائيات وثلاثيات متوزعة حول أطراف الخشبة وفي مقدمتها نرى صنبور ماء وهو أحد الأشياء التي يمكن أن نصادفها في أية شركة عادية.
تتابع الأحداث في هذه المسرحية بشكل متقاطع بحيث تتكلم بعض الشخصيات في الممر مثلا بينما يتكلم الآخرون حول طاولة مكتب أو على مقعد. وتتقاطع هذه الفضاءات المختلطة بشكل موسيقي حيث اننا لا نتابع حديثا متناسقا واحدا لاثنين أو لثلاثة من الشخصيات.
وإنما يتكلم الممثلون العشرون بشكل متتابع ويتنقلون من المقاعد الأولي للمسرح إلى أماكن تحركهم سواء حول الطاولة أو المقاعد.. أحيانا نسمع ملاحظة ما أو تعليقا من أحد الشخصيات حول موضوع معين ثم نسمع من جهة أخرى مقطعا من المقابلة التي يجريها الصحافي مع السيدة بينيدكت التي راحت تشرح تطور مرضها. كتب فينافير هذه المسرحية قبل خمس عشرين سنة من وصول والمتمثلة بسلسلة اللقاءات التي يجريها الصحافي مع السيدة بينيدكت حول مرضها والتي كانت تعرض أسبوعيا على شاشة التلفاز.
وهكذا في هذا الفضاء الدائري تتقاطع الشخصيات وتتصادم في تناثر جميل يشبه الباليه حيث يشكل مجموع هذه التقاطعات فضاء واحدا هو الجو العام المحيط بالشركة في يوم عمل اعتيادي. إن نجاح هذه المسرحية يعود بشكل أساسي إلى تلك الزوبعة الصوتية التي يراها ويسمعها المشاهد الجالس في مكانه والذي ينقل سمعه وبصره إلى مصادر الصوت المختلفة على الخشبة.
تظهر المسرحية هموم ومشاكل الشركة التي تتعرض لأزمة في إنتاجها وإلى ما هنالك من علاقات بين الموظفين ورؤسائهم. وهنا يجد المشاهد نفسه أمام شبكة من العلاقات الاجتماعية والمهنية التي قد يكون معنيا بها بشكل أو بآخر على فرض أن معظم المشاهدين هم من الموظفين، وبذلك فإنه سيرى في هذا العرض عالما ينقله إلى أجواء أخرى لكنها ليست بعيدة عنه كثيرا. يقول الكاتب ميشيل فينافير عن هذه المسرحية في تصريح له في شهر فبراير الماضي: إن المبدأ الذي وضعته أمامي لإخراج هذه المسرحية هو المبدأ الدائري.
يجب أن يكون الفضاء دائريا أو بشكل يشبه الدائري كالمربع أو البيضاوي أو المستطيل. وهنا يجب أن يحيط الجمهور بالخشبة وبهذه العملية تتحقق الكثير من مبادئي المسرحية: حيث اننا لم نعد نرى الجدار الرابع، وكل شيء يوضع على طاولة النقاش فلا مكان للتدرج الكلاسيكي بين الأمام والخلف والوجه الجانبي للشخصية.
باريس ـ منتجب صقر
