انتشرت الاستوديوهات التحليلية لمباريات كرة القدم بصورة مرعبة.. وأصبح المشاهد يقع تحت ضغط رهيب من كثرة الآراء، ووجهات النظر التي إذا تطابقت معه جلس ليكمل، وإذا لم يقتنع ذهب إلى محطة أخرى.. وما أكثرها.
والواقع أن المتلقي، وهو المشاهد، يتمتع في الوقت الحالي بدرجة عالية من الفهم والوعي، في جميع الدول العربية بلا استثناء، وأزعم أن هناك من المتابعين البسطاء من هم يفهمون مثل ما يطلق عليهم خبراء، أو نقاد، ولكنهم لا يجدون وسيلة لطرح ما بداخلهم أكثر من هذا الاتصال الهاتفي!
ولأنه فاهم وواعٍ ـ المتلقي ـ فإنه يصعب الضحك عليه، وعادة ما يفهمها «وهي طايرة» كما يقولون.. وهو ربما «يأكلها بمزاجه»، ولكنه بينه وبين نفسه يعرف أن هذا المتحدث «أونطجي» أو حافظ كلمتين والسلام.
المهم.. إن المردود الإيجابي من وراء «هوجة» الاستوديوهات التحليلية، كما يطلق عليها، لم يتحقق بعد، لأن النظرة القصيرة أو الإيحاءة الخبيثة أو مسحة التعصب التي تطل في عبارة هذا، أو كلمات ذاك، عادة ما تؤدي إلى مزيد من الجدل الذي يتحول تدريجياً إلى أزمات.. وربما كوارث.
مباراة الزمالك والأهلي في الدوري المصري، والتي جرت منذ أيام، تجسّد الواقع المؤلم لشكل المنافسات الفضائية التي يزيد حجمها أضعافاً مضاعفة عن مستوى الأداء في الملعب.. وهذه ليست مشكلة.. أما المشكلة فهي في حجم الانقسام حول قرار حكم، أو صحة هدف، أو تقييم سلوك أو أداء لاعب. قمة التناقض أن تطالع آراء متباينة إلى هذه الدرجة التي يصعب معها تصديق ما يُقال، أو يملى على المشاهد الذي اتفقنا أنه يصعب الضحك عليه، طالما هو مقتنع بشيء معيّن.
في إحدى المحطات.. وجد المتلقي الذي يعتقد البعض أنه غلبان، نفسه أمام «خناقة» أو شبه خلاف حاد بين الاثنين الضيوف المحللين.. أحدهما كان وما زال ينتمي للأهلي، والثاني كان وما زال ينتمي للزمالك، لمجرد اختلاف في تقييم شكل ومستوى الأداء. والحمد لله أن مرت المشكلة داخل الاستوديو، ولكنها حتماً تركت أثراً سيئاً في نفوس المشاهدين الذين يملكون قناعات خاصة لن يحيدوا عنها مهما كانت آراء الآخرين.
وفي إحدى المحطات، قاتل أحد المعلقين ليؤكد أن الأهلي كان الأفضل طوال الوقت، وأن جوزيه عبقري، وتغييراته «جهنمية» وأن شيكابالا لا يستحق أشد العقاب، وأن الحكم الكرواتي كان مجاملاً عندما لم يطرد أكثر من لاعب من الزمالك. وفي محطة أخرى، أخذت التعليقات والتحليلات شكلاً متوازناً.. هذا يعمل حساب من يجلس بجانبه، والآخر «يطبل»، كما لو كان أحد لا يجلس أمام الشاشة.
المهم.. إن تأثير الفضائيات، الرياضية تحديداً، أصبح خطيراً، ليس على المشاهد الذي إذا «زهق» قام وذهب إلى مكان آخر، وإنما على صاحب الدكان نفسه.. صاحب القناة.. لأنه إذا لم يقنع «قفل الدكان»!
اللعبة كبيرة .. وكبيرة جدا.