يقيم مسرح سان كاتر ورشة عمل مسرحية حول مسرحية «بيت الأموات» للكاتب الفرنسي فيليب منيانا Philippe Minyana, طوال شهر سبتمبر الحالي، ويشهد لهذا الكاتب بغزارة قلمه وتجدد الشكل الدرامي في مسرحياته.

فيليب مينيانا يعتبر أحد أهم الكتاب الفرنسيين المعاصرين وأكثرهم عرضا بين أقرانه فهو يتخذ من الواقع مادة أساسية لكتابة مسرحياته فهو يعتمد في كتابته للمسرحية على عدة تقنيات أهمها المقابلات التي يجريها مع بعض الأشخاص وقراءته لبعض الوقائع في الصحف اليومية، ثم يقوم بتسجيل هذه المقابلات لكي يتثنى له فيما بعد إعادة صياغتها في فضاء درامي يحاكي الواقع دون أن يلتصق به بشكل كامل.

المسرحية : في مسرحية «بيت الأموات» يصور الكاتب مجموعة من الأشخاص التي تعيش مع بعضها في مجتمع منطو على ذاته ومغلق على العالم وهذا الأمر نلاحظه من خلال الأمكنة المغلقة كالغرفة والممر التي تغلب على مشاهد المسرحية السبعة والتي يسميها الكاتب بـ «الحركات» حيث يسبقها بمشهد تمهيدي وينهيها بمشهد ختامي.

تتابع حركة الأشخاص ضمن هذه الحركات السبعة في مشاهد طريفة بعض الأحيان وغريبة أحيانا أخرى. وهكذا فان مسرحية بيت الأموات كانت وليدة عدة قراءات لبعض الملفات الإدارية المتعلقة بتبادل مجموعة من الرسائل بين مسؤول جامعي وإحدى الخادمات التي تمثل دورها الممثلة الفرنسية القديرة كاترين هييغل.

يضعنا الكاتب في هذه المسرحية في فضاء بيت قروي حيث تدور الأحداث الصعبة التي تعصف بحياة هذه المرأة على مدار سنوات عديدة. وفي هذه المشاهد القصيرة المتلاحقة تمر شخصيات أخرى كالزوار والجيران حيث يعاني كل واحد منهم من مشكلة ما في حياته.

تدور أحداث المسرحية حول قصة امرأة عبر مراحل متعددة من حياتها بحيث يكون عمرها في المشهد الأول عشرين عاما وتنتهي المسرحية وهي تناهز التسعين. كما هي الحال في دراما الحدث، تمر هذه المرأة من بيت إلى بيت ومن حجرة إلى أخرى وهي تراقب عبر النوافذ فتلاقي أشخاصا آخرين لهم مآس أخرى تماما كحالتها.

تجتاز هذه المرأة عددا من المواقف المؤلمة : فنراها ـ في المشهد الأول ـ ملاحقة بالرسائل الإدارية التي تحرمها من حقها في الضمان الصحي. وبعد أن عنفت من قبل أفراد عائلتها (حيث يغتصبها أبوها)، تمضي مع جارتها وطفلها قاصدة حياة أخرى.

وفي مشهد آخر نجدها تعمل كخادمة لدى إحدى جاراتها. في المشهد الأخير من المسرحية، يطلب منها طفلها الموت فتقتله ! وبعد أن التمست عذر الجماعة في المشهد الختامي ـ أي نحن المشاهدين ـ، هكذا وبعد أن كابدت كل المآسي التي يمكن أن تواجه الإنسان، نراها تجلس على كرسيها منتظرة بدورها قدوم أجلها.

يتعامل الكاتب فيليب منيانا في هذه المسرحية مع الواقع بطريقة مختلفة عن معاصريه وذلك من حيث التركيز على ملحمة المواقف الحميمة للنماذج والأشخاص التي يعرضها. ثم يطرح هذا الواقع على الخشبة مع عناصر جديدة تحاكيه في بعض الأحيان وتوحي لنا أن ما نراه ممكن الحصول.

يبدو فضاء المسرحية مغلقا على نفسه (في فضاء أحد بيوت القرية) حيث تجتمع الشخصيات حول النافذة المغلقة على العالم والتي تعيد العالم الخارجي إلى الداخل بدلا من أن تطل عليه فنسمع بين الفينة والأخرى صوت الرياح وبعض الحيوانات الداجنة التي يمكن أن يحويها أي بيت في القرية.

ونسمع أيضا أصداء صوت الجار القريب الذي نلاحظ مروره عبر النافذة والذي لا يتوقف عن التذمر. عبر هذا المرور نلاحظ دوما أن الشخصيات التي تنمي للفضاء الخارجي تدخل إلى المنزل وتتكلم مع الشخصيات التي لا تغادره.

وهكذا فنحن أمام مشاهد بسيطة من الحياة اليومية لهذه الأشخاص المحيطة بالمرأة الخادمة عبر مواقف متتالية من حياتها تعرض عبر سبع مشاهد قام المخرج بتوزيعها بطريقة جديدة حيث اعتمد على شاشة عرض صغيرة علقت على يمين الخشبة بحيث تظهر بعض الشروحات المتعلقة بالمكان والزمان، وبذلك يتثنى للمشاهد فهم تسلسل أحداث المسرحية بشكل أفضل.

باريس ـ منتجب صقر