تنضم رواية «أنييس حبيبة روحي» إلى أعمال الكاتبة اللاتينية ايزابيل الليندي،صاحبة «بيت الأرواح» و«صورة عتيقة»و«ابنة الحظ» و«الحب والظلال» و«باولا» و«الخطة اللانهائية» وأعمال أخرى أصدرتها خلال عقدين من الزمن.

انصرفت الليندي في السنوات الأخيرة لكتابة نسق يختلف عن كتابتها المعتادة، يبتعد عن السرد التاريخي ويتلامس مع الكتابة الموجهة لجمهور الشباب التي تدمج المغامرة مع الخرافة، وعوالم السحر مع الأساطير الغامضة،كما فعلت في «مدينة البهائم» و«مملكة التنين» و«زورو وأنا»، كما كتبت الليندي جزءاً من سيرتها الذاتية في كتابها «بلدي المخترع».

لكن في هذه الرواية الصادرة حديثا عن دار المدي من ترجمة صالح علماني تعود الليندي إلى الكتابة التاريخية عبر رواية واقعية تجري أحداثها في البيرو حيث ولدت بطلتها،وفي تشيلي حيث نشأت خلال القرن السادس عشر بعد الفتح الأسباني لأمريكا الوسطى والجنوبية.

الشخصية الرئيسية في الرواية هي «انييس سوريز» وهي شخصية تاريخية حقيقية كما تقدمها الكاتبة ،إنها أرملة الدون (رودريغو دي كويروغا) الفاتح والمؤسس لمملكة تشيلي،وقد عاشت في سانتياغو وبلغت قرابة السبعين من عمرها،

ورغم أنها لم تكن تعرف يوم ميلادها فإنها ترجح ولادتها في إسبانيا عام 1507 تقول: «أنا أنييس سواريز من سكان مدينة سانتياغو دي استراميديرا الجديدة في مملكة التشيلي،لست متأكدة بدقة من يوم ميلادي لكنني ولدت على حد قول أمي بعد الطاعون الرهيب الذي اجتاح أسبانيا عند موت الملك فيليبه الجميل».

«إنها رواية كتبت بالحدس كما أن أي تشابه بالأحداث والأشخاص عن فتح تشيلي مجرد صدفة» هكذا تقول الليندي في وصف روايتها وتتابع «إن العمل البطولي لأنييس سواريز والمدون من قبل المؤرخين لحقبتها تم تجاهله لأكثر من 400 عام».

لذا تحرص الليندي على تتبع حياة تلك المرأة ورصدها بخيط يتضافر فيه الخيال والواقع،لكن كما يبدو أن التقيد بذكر أحداث تاريخية معينة قد قيد الليندي أكثر مما أطلق لخيالها العنان،وتكاد تكون أفضل صفحات الرواية إبداعا عندما تتذكر أنييس زواجها من «خوان دي مالاغا» تقول: «إنه واحد من الرجال الوسام الذين ليس بمقدور أي امرأة مقاومتهم، لكن فيما بعد تتمنى لو أن امرأة أخرى حظيت به لأنه من النوع الذي يسبب الكثير من المعاناة».

في عام 1540 و1541 تسافر بطلة الرواية أنييس من أسبانيا إلى البيرو للبحث عن زوجها الذي سافر إلى العالم الجديد للبحث عن الكنز لكنها تكتشف موته وبالتالي تعود إليها حريتها، لقد مات زوجها في الحرب إلا أنها ترفض العودة إلى أسبانيا وتصر على البقاء في مدينة كوسكو في البيرو لتلتقي مع رجل حياتها الذي ستحبه كما لم تحب من قبل،إنه بيدرو الذي سيذكر التاريخ مآثره البطولية في المعارك.

لكن بيدرو يموت ميتة مريعة تاركا خلفه المرأة التي أحبته، لكن «أنييس» لم تيأس بل تدخل في علاقة مع «رودريغو» والد ايزابيل التي تسرد على مسامعها الحكاية. هذه الرواية تحمل وجهتي نظر متناقضتين، فبينما تبدو بطولية من وجهة النظر الأسبانية،فإنها لا تعني شيئا للناس البسطاء الذين ذبحوا واعتقلوا أو اخضعوا لسلطة شارلز الأول ملك أسبانيا.

لا تحاول الليندي أن تموه على هذه الحقيقة التاريخية،ولا على جرائم الفاتحين مثل فرانسيسكو بيزارو، وفرناندو كورتيز تقول «بيزارو رجل في حوالي الستين من عمره،متعجرف،بجلد شاحب،ولحية رمادية،عينيه غائرتين يلمع فيهما بريق طموح،أما نبرة صوته فإنها عالية وغير مقبولة».

تخوض الكاتبة في وصف ملحمي للمعارك وللحروب التي يخوضها الأبطال. هذا الوصف الذي يرتبط بزمن يعود إلى القرن السادس عشر يوضح قدرة الليندي على التخيل وعلي تتبع الحدث التاريخي في الحصول على وثائق تعزز فكرتها وتمنح خيالها الخصب شحنات قوية تمكنه من السرد،

تقول «لم نكن قد أكملنا تنظيم صفوفنا عندما سمعنا صراخاً لا يحتمل،يعلن عن هجوم الهنود صرخات تبعث القشعريرة في البدن،تثير فيهم حماسة جنونية وتصيب أعداءهم بالشلل،كانوا آلافا مؤلفة،يركضون شبه عراة،بأقواس وسهام،وفؤوس وهراوي،يصرخون متهللين بقسوة مسبقة،

أجهزت طلقات البنادق على الصفوف الأولي لكنها لم تستطع وقفهم أو التخفيف من اندفاعهمكانت رماح رجالنا تخترق الأجساد التي لها لون الطين والسيوف تقطع الرؤوس والأطراف،وحوافر الخيل تمزق المطروحين أرضا». إن هذا الوصف الملحمي نجده في أعمال أخري لـ «الليندي» خاصة الروايات التي ابتعدت فيها عن الذاتية والواقعية،أي الروايات التي كانت أقرب للخيال مثل «مدينة البهائم» و«مملكة التنين».

و«زورو وأنا». إن هذا النسق من الروايات يكاد يكون متلامسا مع نوعية سلسلة كتب «هاري بوتر» من حيث الولوج إلى عوالم عجائبية تقوم لحمتها الأساسية على فكرتي «الخارق والماورائي». لا أعني هنا أن الليندي عمدت إلى محاكاة هذا النوع من الكتابة بقدر ما سعت إلى الانفتاح على عوالم جديدة في كتابتها،لكن يمكن القول أيضا إن رواية «أنييس حبيبة روحي» تشكل بحد ذاتها نسقا جديدا مغايرا لا ينتمي لكتبها السابقة.

إنه نسق تاريخي ملحمي،لا تاريخي ذاتي ينتمي للواقع القريب،ولا ينتمي أيضا للنسق العجائبي الذي ظهر في أعمالها الأخيرة،اذ تكاد الليندي تنفصل في هذا النص عن ذاتها وتبتعد تماما عن رصد العوالم التي كانت شغوفة برصدها أعني عوالم أسرتها وبطلات رواياتها الباسلات وهي لا تنكر ذلك بل تقول في أحد حواراتها «وجدت أن أبطالي ينتقلون معي من رواية إلى أخري».

القاهرة :لنا عبد الرحمن