تتسابق الفضائيات العربية في شهر رمضان المبارك بتقديم وجبات درامية مختلفة النكهات والأوزان والحجوم. وهي عادة درجنا على انتظارها، فبعد إن كانت الدراما المصرية هي التي «تغذي» المواطن العربي بالصغيرة والكبيرة من القضايا الاجتماعية والسياسية التي تخصه ولا تخصه، أصبحت الدراما في مناشيء عربية أخرى أكثر صلة بالواقع بشقيه الإجتماعي والتاريخي، كما باتت الدراما الخليجية هي الأخرى أكثر إثماراً وصلةً بالحياة اليومية وهي تغترف من مفردات اجتماعية محلية ما هو لصيقٌ بها وبتراثها وتاريخها.

الدراما العراقية التي كانت مختنقة ومحتجبة لأربعة عقود مضت ولم تنتشر إلا بمحيطها الخليجي تقريباً، خرجت الآن من قمقم التحزب والسلطة الواحدة ومقص الرقيب، فوجدت متنفسها بعد الاحتلال، فالواقع العراقي زاخر بالدم والموت والرعب والخوف والخطف والسلب والنهب نتيجة لما أفرزه الاحتلال من واقع جديد أضفى رؤى جديدة، وإن كانت مخيفة، إلا أنها ستكون في تضاعيف الأعمال الدرامية بلا شك.

دراما رمضان العراقية وقفت على هذا النوع المستنبط من يوميات المفخخات والعبوات الناسفة، واستخرجت لغتها من الصراع غير المتكافئ بين الوطن الجريح والإرهاب بمعناه الدوني الواسع والميليشيات المتطرفة التي تمثل أجندة خارجية.

وحاولت إبراز (المخفي) من الحقائق تلك التي لا يراها المواطن عادة، سيما وأنه مواطنٌ مكبّلٌ، أسيرٌ في بيته وشارعه ومحلته وبالتالي هو أسيرٌ في وطنه المأسور. وعلى وفق هذا فإن دراما رمضان العراقية لفتت إليها الأنظار منذ حلقاتها الأولى التي بثتها قناة (الشرقية) بواقع عدد من المسلسلات التي كسبت إلى جانبها وجوهاً فنية نتعرف عليها للمرة الأولى.

دراما الرعب والخوف والقتل المجاني استطردت كثيراً وهي تتابع المنحرفين من المجتمع والمظلومين من الناس الأبرياء والمهجرين إلى دول الجوار والعالقين على المعابر الحدودية واللصوص الحكوميين والسياسيين المرتزقة والنهّابين والمنتفعين من المال العام والعصابات المحترفة التي وجدت متنفسها في فوضى الدولة الإدارية ؛

وحاولت الدراما العراقية الرمضانية أن تمعن في الإيغال المشاكس والسخرية اللاذعة من الأوضاع السياسية القائمة في العراق، بل استخدمت أسلوب التحريض بوصف الشعب (نائماً) ومغيباً حتى الآن وهو صاحب القرار الأخير في منح الآخرين مشروعية الصفات السياسية المطلوبة في قيادة الدولة والمرافق الاجتماعية المختلفة.

هجرة العراقيين إلى دول الجوار ورصد معاناتهم الإنسانية تكاد تكون الحلقة الفاصلة في مجمل الأعمال الدرامية التي تقدم الآن، لكن الطريف والظريف والمخيف أيضاً أن هذه الأعمال صُورت بمجملها خارج العراق، وهذا يعكس صراحة الأجواء التي يعيشها العراقيون والفنانون الذين غادروا حاضنة الفن الأثيرة والتجأوا إلى دمشق وعمّان والإمارات، هرباً من فوضى أمنية في بلاد صارت فيها الرصاصة تقتل على الهوية وعلى هوى حاملها !

من (فوبيا بغداد) إلى (المواطن ا ) إلى (إنباع الوطن) إلى (الحكو مات) إلى (قميص من حلق الذئب) إلى (جحا الفيدرالي) ترتسم النكتة السياسية فصيحةً وهي ترسم بلادة الساسة وعوراتهم السياسية، وترسم شلالات الدماء ونزيف الموت الساخن، لتؤشر فجيعة وطن وتؤشر خلاصات نفسية واجتماعية وتاريخية لبلاد يبدو أنها ستهاجر في إلى دول الجوار في نهاية المطاف!

waridbader@yahoo.com