امتلأ دفتر الصيف بأنفاس المهاجع المعتقلة، وآهات الأرواح الصاعدة إلى باريها، حارة حارقة، معفرة بالتراب، متفحمة بالحرائق، ممزقة بشفرات الانفجارات، منتفخة بأحلام السطوح التي بقرها الموت بين الأرض والسماء. ملاحظات تتعثر بهاويات الدفتر الجحيمية، خُطت بسطور متلاحقة لا تكاد تدركها القراءة المعتدلة.
صفحات سود، تلتها أوراق بيض استجم بها القلم والتقط أنفاسه قبل الانتقال إلى ضفاف الحلم الأبيض لصيف ألبير كامو الجزائري، وصور لورنس داريل لجزر اليونان المفتوحة على الشمس والرياح.
انشغالات خاصة بروايات التركي أورهان باموق تملأ وسط الدفتر، إضافة إلى استعدادات لكتابة فصل بعنوان (حروفيات باصورا) وتحضيرات لعمل قصير عنوانه (جنازة في الليل). بعدئذ رجوع مباغت إلى سنوات بداية الرسم العراقي، وتأملات برودة فاكهة الصيف في لوحة عاصم حافظ الجامدة منذ ثلاثينات القرن الماضي.
تتدافع ملاحظات دفتر الصيف للوصول إلى مرسم فائق حسن المفتوح على أرياف بغداد، منذ أن غادره الرسام مع جماعة الرواد وحتى عودته من باريس في قارورة نُثر رمادها فوق مياه دجلة. وخلال هذه الرحلة التي بدأت مع بعثة أوائل الرسامين العراقيين للدراسة في معاهد أوروبا الفنية، يقتبس الدفتر من مذكرات الدكتور كمال السامرائي سطور مزاملته الملكة عالية في قصر الزهور، في أيامها الأخيرة، ووفاتها بمرض السرطان عام 1950 (عام تأسيس جماعة الرواد وإقامة معرضها الأول).
أحاطت بهذا التاريخ حوادث سياسية هامة (وثبة 1948 وانتفاضة 1952 ضد المعاهدات الاستعمارية ) فسار الدفتر على هذا الإيقاع المتناوب لموتيفات الشوارع الغاضبة، واستراحات الطبيعة الهادئة، الغليان ثم الهدوء، الانعتاق ثم السكون، في لوحات تحسست ضوء الصيف الغامر وألوان الجدران الترابية، وانطبعت بانطباع «الرعشة الصغيرة» الذي رسم سيزان به لوحاته.
كان فائق حسن (1914 ـ 1992) تلميذاً في المدرسة الابتدائية، متعلقاً بخاله البستاني في حديقة القصر الملكي، حين شاهده في يوم من أيام 1934 الملك فيصل الأول يرسم منظراً طبيعياً فأُعجب بموهبته ووعده بابتعاثه إلى أوروبا لدراسة فن الرسم. توفي الملك فأوفده ابنه الملك غازي للدراسة في (بوزار) فرنسا.
عاد فائق عام 1938 إلى العراق مشبعاً بارتسامات الطبيعة الفرنسية في لوحات الرسامين الانطباعيين التي شاهدها خلال فسحات الدروس الأكاديمية في متاحف باريس، ضاعفت لديه ميلاً بدائياً نحو الطبيعة العراقية نما في أصابعه وخياله الطفولي وتحول إلى حب جارف للرسم.
جمع فائق حوله رواد الرسم وطلابه وخرج بهم في سفرات كانت تطول أياماً لمشاهدة الطبيعة الفسيحة في أرياف بغداد وشمالي العراق وملامسة المظهر المتحول لسحنة الأشياء والأحياء خارج غرفة المرسم. واختار لجماعته اسم (الجماعة البدائية).
انغمرت الجماعة بفرح اللقاء بشعاع الشمس الدافق بثراء على وجوه الناس السمر، وأشجار البلوط والصنوبر الغبر، والطرق الجبلية المتلاشية، وانفرد فائق حسن مع نفسه بمتابعة حلمه بوجوه الأعراب وقوائم الخيول التي خرجت من لوحات ديلاكروا وعبد القادر الرسام ودخلت لوحاته بغبارها وفرسانها الملثمين بإحساس لوني جامح.
كان فائق رساماً تجريبياً، مبعثراً في اختباراته الشكلية واللونية، محباً لرسم الوجوه التي تذكره بعزلته وانفراديته، يسفح عليها ألوان فقره ويتمه (لم ير أباه وربته أمه) وسحنة وجهه الترابية المحروقة، وخشونة شعره، وكثافة حاجبيه، ونظرة عينيه الصقريتين، وضربات أصابعه المتنقلتين بخفة المحترف الصياد. كان يختار الوجوه التي يرسمها مما تتسق وإحساسه البدائي بأبعاد الجمال الإنساني وحبه العميق للتخطيط واللون.
وينقل الدفتر عن الرسام عامر العبيدي أنه جلس أمام فائق ساعات طويلة ليرسمه في ثلاث لوحات، إحداها تخطيط بقلم الرصاص. قال العبيدي إن فائقاً أحب ملامح خاصة في وجهه، فرسمه برؤيتين لونيتين، انطباعية وتقليدية، أما التخطيط فكان تمريناً مفروضاً على أصابعه لا بدّ أن يؤديه قبل خلوده إلى النوم. عاش فائق من أجل الرسم، وكان اعتكافه وإخلاصه وحبه لفنه فطرةً غرّبته عن عصره.
على الجانب الآخر من اغتراب فائق حسن وتجريبيته الفنية، انشق جواد سليم (1919 ـ 1961) بمحاولاته البغدادية في رسم الوجوه الهلالية المسطحة، المرتسمة على قماشة الأزقة ونشاطها الاجتماعي اليومي، وفرح نسائها المتنوع في حركته اللونية وحسيته الجنسية. رسم جواد لوحتين بعنوان (القيلولة) عام 1958 مصوراً فتاة مستلقية على أرجوحة في حديقة منزلية، يخطوط تجسيدية مفصلة للجسد المستلقي بمفرده في اللوحة الأولى، وبصحبة ابن البستاني في اللوحة الثانية.
وبهاتين اللوحتين أفصح جواد عن ارتباط رؤيته البنائية واللونية بجذور الرؤية البدائية الطفولية لفائق حسن، إذ حاول بألوانه الترابية المحروقة، ووجوهه المسطحة الفارغة من التعبير، الإفراج عن إحساس نفسي مضغوط لا يباح له الخروج والنمو خارج شخصية الفنان.
أراد جواد سليم أن يحقق عملاً فنياً يمثل جموحه واختباراته النحتية الكبيرة، فعمل طيلة خمسة عشر عاماً لإنجاز (نصب الحرية) وأتمه في عام ونصف (1960). لكن الموت سبقه إلى ساحة التحرير فلم يشاهده منصوباً على عارضته المرمرية العالية مواجهاً الأزقة القديمة التي قدمت له فرح وجوهها السمر وألوان أجسادها الرخصة.
وزع جواد سليم وحدات النصب البرونزية (صبها في فلورنسا ونقلها أجزاء إلى بغداد) على مساحة سطرية تُقرأ من اليمين إلى اليسار، مجسماً المنظور السطحي لرسوم الواسطي الإطارية على متون مقامات الحريري، وأشكالها التزويقية الموزعة بلا أعماق أو ظلال داخل إطار الصفحة المخطوطة.
أكمل جواد في نحته الكبير ميلاً سردياً حكائياً حاوله في رسومه، وحاكاه بنجاح بعيد. أظهر للعيان رغبة دفينة في عرض أحزانه الفردية وغربته النفسية والحكائية، بكتابة بارزة مختزلة في أربعة عشر رمزاً جامعاً لانعتاق الشعب في ثورة 14 يوليو 1958. (الحصان، الثائرون، الطفل، النادبة، الشهيد، الأم، السجين، الجندي، الحرية، السلام، دجلة والفرات، الفلاحون، الثور، العمال).
نثر جواد سليم رموز كتابته البرونزية على إفريز مرمري مستطيل، رافعاً إياها من أغوار دخيلته الواهنة إلى نور بغداد الصباحي، مع النبض الأخير للقلب الذي سقط تحت أقدام الثائرين. إن من يجيدون قراءة حكاية النصب المبعثرة، سينفذون إلى مكامن الحزن الأصلي الوعر المحزز.
في نفس العراقي المجزأة إلى وحدات ثائرة على الشكل والزمان. أما أولئك الذين يجهلون قراءة تاريخ العراق، أو الذين تكنسهم ساعات حظر التجوال إلى بيوتهم، فهم غالباً ما تفوتهم انتفاضة الأشكال المرفوعة في الفضاء المظلم الأجرد، وحوارها مع صانعها الفنان، الذي تتلبس روحه الشكل الأوسط، جسد الحرية المقطوعة الساقين.