تستضيف صالة «آرت سبيس» في فندق فورمنت بدبي الفنانة اللبنانية كلارا جبران عبر معرض للصور الفوتوغرافية يضم عشرة أعمال تتراوح قياساتها بين 120 و150 سنتيمتراً، تجسد تجربة جديدة للفنانة ، وتضيف بعداً مغايراً لاهتماماتها الفنية من جهة، والفكرية من جهة أخرى،
فنياً كانت اهتمامات جبران عبر مسيرتها الطويلة تنصب على الإنسان في شكله ولبسه وحياته وأدواته، وكان الجمال محور أعمالها، أكان عبر الأزياء والقضايا الكمالية، أم عبر الأشياء وتمظهرها في الأمكنة، أم عبر اللقطات اللافتة للطبيعة.
في هذا المعرض ثمة حالة مغايرة تماماً، وربما أمكننا القول إنها طفرة في حياة كلارا، فالصور لا وجود للإنسان فيها، ولكن هذا لا يعني عدم وجود ظله، وسلطة ظله، فالمعرض يشكل صرخة ضوئية ضد الزوال، ويدون ما هو زائل، صرخة ضد هدم ذاكرة المكان، وضد إعادة كتابة التاريخ دون شواهد..
وهو بالتالي صرخة ضد ما يفعله الإنسان، أو ما فعله.. والمفارقة أن كل هذا عبرت عنه الفنانة كلارا عبر موضوع واحد ولكنه تشظى لمواضيع وأفكار ودلالات جديدة وانفتح على محطات حديثة لقطارات التاريخ، وفي هذا السهل الممتنع تجاوزت كلارا أعمالها.
وتجاوزتها الأعمال في جدلية تصبو بالمعرض ككل إلى مصاف المختلف، فكلارا قامت ببحث مضنٍ في محطات القطارات القديمة التي كانت شاهدة على تاريخ ما، محطات موصدة بانتظار هدمها بصمت، إزالتها من متحف التاريخ ومن ذاكرة المستقبل، صورت العربات والسكك وما فعله الزمن كفنان تشكيلي صبور يحفر بالصدئ والأكسيد ويلون بالغبار، وما فعله الإنسان كفنان نزق لا يجيد إلا الخراب بأدوات الهدم والتدمير.
ومع كل هذا ، ومع ما دونته كلارا من آثار للحرب اللبنانية بحيادية مرهفة وحزن دفين، ثمة أزهار تتفتح على ضفتي السكك الحديدية، وثمة عرق اخضر ينمو بين العربات الحديدية الصدئة.. وثمة صرخة تدوي، ولكل رجع للصدى دلالات تنفتح على دلالات جديدة.
واللافت أن هذا التشظي الدلالي الذي تجاوز وحدة الموضوع، وشكل زخما فكرياً لم يطغ على الجوانب الجمالية والفنية عند كلارا، فالفنانة التي لا تستخدم (المحسنات البديعية الكمبيوترية أبداً) تضفي على الصور بخبرتها الطويلة بعداً لونياً أخاذا، من خلال الظل والضوء والتوقيت والمسافات وفتحة العدسات وزاوية الالتقاط، وغيرها من جهة، وحسها المرهف ومرجعيتها النفسية والجمالية والفكرية من جهة ثانية..
وهذا البعد اللوني ساهم في التنوع الفني وواكب التنوع الدلالي، ولم يتوقف الأمر على اللون داخل اللوحة الواحدة، على دقة اختيار جبران للقطات التي تحتاج للأسود والأبيض فقط، مما منح الصورة في بعض الأحيان مسحات تشكيلية أقرب للجرافيك منها للتصوير الضوئي.. والمسافات التي منحتها القياسات الكبيرة للوحات أبعاداً جديدة لم تذهب بالمشاهد نحو العمق وحسب، بل منحت للصرخة أصداء اتجاهات مغايرة، وللصمت رهبة، ولحقيقة الأمكنة ثقل ظل ضاعف من حجم الخراب وحدة الوهلة..
الفنانة كلارا جبران من مواليد بيروت، حازت على بكالوريوس اقتصاد لكن لغة الأرقام لم تنسجم موهبتها التي بدأت باكراً حين حصلت على كاميرا (زنث روسية) كانت لوالدها.
اتجهت كلارا للتصوير، وعملت كمصورة أزياء وإعلانات، ومراسلة للكثير من المجلات ووكالات الأنباء العالمية، ودونت بالصور للحرب اللبنانية.. ومن ثم عملت مساعدة مصور في مونتريال.
أقامت أول معرض لها عام 1997 في بيروت، ومن ثم تتالت معارضها في الشخصية حول الرقص الشرقي والوجوه والأزياء في أنحاء متفرقة من العالم، وكان معرضها الأخير في دبي عام 2006.
دبي ـ محمود أبوحامد
