الكثير من الكتاب اشتهروا بكتابة أدب الرحلات ووصف الأماكن التي يتمتعون بأجوائها والترحال في مرابعها، ورغم أنني من هواة السفر لم أفكر يوماً بالكتابة عن أي بلد. صور ومدن كثيرة ارتسمت في ذاكرتي وخاصة الأماكن التاريخية.

ولكن رحلتي إلى الديار المقدسة جعلتني أمسك القلم لا إرادياً، أكتب عن مكان يفيض بروحانيته، أشكالاً والواناً من البشر والثقافات، الكل يقف بين يدي الله سبحانه تعالى بقلوب خاشعة وعيون دامعة حتى أن الجميع يتحدون في البحث عن الخلاص من متاعب الدنيا وشقائها، يتماهون مع الحق، واليه يلجؤون مؤكدين واحدية الانسان، والمصير المشترك.

كلما ضاق صدر بالهموم يزداد شوقاً ولهفةً إلى بيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف، ومشاهدة تلك الديار تعيدنا إلى أجمل وأحلى الذكريات، إلى الماضي ونحن صغار عندما كنا نشاهد الأعلام الخضراء ترفرف فوق بيوت بلدتنا الصغيرة في شهر ذي الحجة، حينها يلجأ الصغير إلى صدر أمه ويسألها: لماذا ترفرف الأعلام فوق البيوت؟

فتقول له: إن الأهالي يترقبون عودة الحجيج، ويعبرون عن فرحتهم برفع الأعلام على بيوتهم، إننا نترقب وصول الحجيج. أفكر في الكلمة كغيري من الصغار وألح في السؤال على أمي بأن تفسر لي ماذا تقصد بالحجيج، فتقول بعين اليقين: إنهم الزائرون إلى بيت الله الحرام يؤدون ركنا من أركان الإسلام، فتأخذني اللهفة بانتظار هذا اليوم، يوم عودة الحجاج،

فكل أهل الحي يفرحون بالعودة المحمودة، والأطفال يتباهون بالهدايا، بالعدسات السحرية التي تنقلهم إلى الديار المقدسة، وبالصفارات، والكوفية وماء زمزم، والولائم التي تقام. ها أنذا أُعيد إنتاج الذكريات، ولكن عبر زيارة واقعية، كانت البداية المدينة المنورة، قلوبنا تبتهل ونحن في السيارة، كان نور المدينة يخترق أجواء السيارة فتتنور قلوبنا.

الجميع يكبرون ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، فأعود مرة أخرى إلى عالم الطفولة عندما كنا ننشد:

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع

إنها أنوار طيبة، طيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. شعور غريب يجتاحني، وفرحة لا أعرف كيف أفصح عنها؟، كلما اقتربنا ازداد شوقي وضربات قلبي، فلا اعرف إلى اليوم كيف أعبر عن رحلتي الأولى، لقد سافرت إلى مدن كثيرة وشاهدت عجائب الدنيا ولكن لم أجد راحة في بقعة من بقاع الدنيا سوى في طيبة. الأيام الجميلة تمضي مسرعة،

سلكنا طريق مكة المكرمة وكلما نظرت عن يميني وعن يساري أجد تلك الجبال الشوامخ، فكرت في رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم والمسلمين وكيف اجتازوا هذه الطرقات في تلك الأيام فارين بدينهم، إنه شعور يختلج بالرهبة والقداسة كلما اقتربنا من مكة والبيت الحرام.

عندما وقعت عيني على الكعبة المشرفة أجهشت بالبكاء لاإرادياً، وجدت نفسي أقف بين يدي رب العالمين، رافعة يدي طالبة الاستغفار. في مكة المكرمة راحة واطمئنان وخشوع، لا فرق بين الليل والنهار، لا فرق بين الناس. هكذا كانت رحلتي للديار المقدسة ولن تكون الأخيرة بإذن الله.

إن لهذه الديار معاني كبرى، فعلى قدر الأجواء الروحية التعبدية أتذكر بامتنان الدعوة الكريمة للأميرة « عبطة » وأتذكر زميلتي وصديقتي العزيزة صالحة غابش، فقد اجتمعنا معاً في سماء الفكر والثقافة، ومن هنا بدأنا مشوار التواصل مع أخواتنا المثقفات في المملكة العربية السعودية، تبادلنا الأفكار وتناقشنا حول المثقف العربي وانقطاع جسور التواصل، وحاولنا ومازلنا نحاول مد هذه الجسور بيننا في منطقة الخليج العربي والجزيرة العربية.

Asma_alzaronihotmil.com