للأمكنة التي نعيشها أو التي نمر بها ذاكرة تظل أحياناً تحت مظلة النسيان، لكنك تجد نفسك فجأة أمام هذا المكان أو ذاك. ووارسو كانت محطتي الأخيرة في سلسلة سفر قد يطول الحديث عنه، كنت قد زرتها قبل أكثر من ثلاثة عقود.

حاولت قبل وصولي أن أشحذ الذاكرة، وأعيد شريط زيارتي لها يوم كانت تحت الغطاء السوفييتي، أنا أدرك أن المدن الأوروبية القديمة لا تتغير كثيراً، فهم يحترمون المكان وذاكرته، ويعتزون بكل ما يتركه السلف من مشاهير الأدباء والفنانين والمفكرين.

لم أفاجأ حينما أحسست أن شوبان ما زال يحتل مكاناً واسعاً في الشارع وعند عامة الناس، مع الاعتزاز بتماثيله ونصب تعود إلى فترته وعصره، مثلما لا يمكن إلا أن تسمعه عندما تدخل دار الأوبرا، أو مكان للموسيقى أو حتى كنيسة تستقبل السياح والزوار مساءً ليعيشوا مع موزارت، أو شوبان، أو حتى بيتهوفن.

ظل تمثال ديغول في مكانه، مثلما لم يهدموا المركز الثقافي الذي بناه ستالين هدية إلى بولوندا، وقد شهد هذا الصرح الذي يناطح السحاب، أحداث عقود من الزمن كان من أصعبها فترة الحرب العالمية الثانية، وما تعرضت له مدن بولندا من خراب ودمار خاصة وارسو التي دمرها هتلر بالكامل تقريباً.

لكن الجميل أنهم أعادوا بناء كل شبر كما كان موجوداً، قالت لي مرافقتي وهي تتحدث عن شارع طويل كنا نتمشى على رصيفه أن هذا الشارع بكل بناياته ونصبه والكاتدرائية قد دمر خلال الحرب الثانية إلا أن أحد الفنانين التشكيليين كان قد رسم الشارع بالكامل قبل تدميره، وأصبحت رسوماته بعد ذلك دليلاً للبناة الذي أعادوا كل شيء كما كان، بما في ذلك التماثيل والنصب والزخارف والشبابيك والأبواب، وتفاصيل دقيقة جداً داخل وخارج الكاتدرائية.

في كاركوف.. كان التاريخ حاضراً، لا ندري كيف تتداخل العصور والشخصيات، هذا مقر الإمبراطور، آخر ملوك بولندا، وهذه الفترة السوفييتية وهذا نابليون وذاك ديغول بقامته الطويلة وملابسه العسكرية يحتل ركناً واسعاً من شوارع وارسو.

حينما يشتد المطر.. لا تتوقف الحياة، بقدر ما تتسارع الخطى تحت آلاف المظلات، المساء البارد يذكرني بمدفئة النفط ماركة علاء الدين التي كنا نحتضنها صغاراً بينما توزع أمي الكستناء والتمر والجوز، لكن أجواء كاركوف كانت تدعوني لدخول واحدة من الكنائس.

حيث تستقبل في المساء من يعشق الموسيقى الكلاسيكية، في الكنيسة تجتمع كل الأجناس، لا أحد يسألك عن دينك أو هويتك أو جنسيتك، هناك تنتمي إلى روح موزارت وشوبان، تتسامى روحك فتلتقي بالروح المقدسة، وتحلق في سماء الفن وإبداع الكلاسيكيات، خمسة من العازفين، ثلاث نساء ورجلان، كونترباص، وجلو، و3 كمانات، هنا في هذه الأجواء الروحانية لا تسمع أنفاس الناس، لا صوت إلا صوت الموسيقى.

الأرض مصبوغة بدرجات الأخضر، بينما تسبح في حقولها قصور العصور الوسطى، وبيوت الفلاحين الملونة، ساعات طويلة تقطعها بالسيارة بين وارسو وكاركوف، لكنك لا تشعر بالتعب فالأخضر هو الذي ينتقل إلى قلبك فيشعل روحك.

وتتمنى لو تعتكف هنا شهراً أو أكثر، تعود إلى حياتك الطبيعية، تتمتع بهذا الطقس الممطر والبارد، وتحتضن موقد الخشب، وتقتات على ما تمنحه لك الحقول من فواكه وغذاء طبيعي وطازج، وقتك مخصص للتأمل والكتابة والقراءة والرياضة.. جنة الله في الأرض، وهي النعمة التي يمنحها سبحانه وتعالى للشعوب، ثروة لا تنتهي خاصة حينما يحافظ الإنسان على تلك الثروة، ويحترمها، ويشكر الله على نعمته.

حاولت أعود بذاكرتي إلى الوراء، وارسو، اكدانس، كركوف، كما في عام 1975، لكني فشلت حقاً إلا في بعض المرات التي تنتصر الذاكرة فتعود الصورة، لكنها تظل مشوشة، خاصة وأن النظام قد تغير، ومعه حركة الشارع وإيقاعه، وشكل السيارات الحديثة، والمستوردة، من دول أوروبا الرأسمالية بعد أن كنت لا ترى سوى البولسكي التي لم تعد تصنع أو مسكوفج الحديدية.

abdulelah_q@hotmail.com