(كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل) بيت يثبت حقيقة معناه في كل عصر، ويكرس مع كل جيل.إنها الأمكنة التي تبقى متوهجة في مساحات العمر مهما امتد.. للأمكنة الأولى نسيج متأصل في الروح، يُتَوجه ألق متموج بين مهد الطفولة، ومربع الصبا، إنها ملتقيات الفطرة الصافية، والأحلام الناصعة، ومشاريع التكوين الشخصي. وهي ساحات التباري في اختلاق الرؤى، وتحقيق الذات.

أماكن أكثرها قائم في الوجدان، وقليلها في الواقع، منها ما اكتسحته المعاصرة فهزمته، ومنها ما شمله الوفاء فظل صامداً وشاهداً. هنا محاولة للاقتراب من أماكن إلهام المبدعين، تلك التي فيها تشكلت مواهبهم، ومنها صقلوا أدواتهم، وبها رصّعوا إبداعهم. أماكن غابت لكنها محفوظة في الأعماق يدان لها أبدا.. فماذا قالوا في الأماكن؟ الشاعرة الإماراتية صالحة غابش أمين عام المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة؛ تحدثت عن (الفريج الكويتي) وقالت هو ذلك المكان الذي نشأت فيه في مدينة الأحمدي بدولة الكويت في مراحل الطفولة الأولى؛ حيث الصداقات الأولى التي تكونت فيه، والتي تمتنع عن الفروق بين الأولاد والبنات.

هناك تكوّن حلمي بأن أصبح معلمة لغة عربية، وهو ما تحقق هنا في بلدي الإمارات بعد عودتي إليها. كان جيراننا هناك مجموعة من الجنسيات المختلفة؛ فمنهم الكويتيون والعراقيون، ومن جاليات آسيوية، ومن عُمان والإمارات؛ أولئك جميعا شكلوا منظومة متوائمة ومتفاهمة.إن أكثر ما يحضرني ويغمرني بالحنين، حين كانت تنقطع الكهرباء، حيث لا أحد يبقى وحيدا في بيته وقد أظلم، تصوري أن ذلك الظرف يحضرني اليوم كأجمل مناسبة للتلاقي؛ فالأطفال يلعبون ويتعاركون وربما يتصايحون لكن لا تخلف تلك المشاغبات أية عداوات، ويستمر الهرج والمشاحنات من دون أن تعتري الأهل الضغائن. وما زال ذلك المشهد في ذاكرتي، ويشغل حيزا منها، وقد شكل مخزونا إبداعيا استعنت به، وكتبت فيه تجاربي القصصية الأولى والشعرية أيضا.

ثم تتحدث بنزق قائلة: ومثلما أحمل ذكريات عطرة عن أماكن؛ فإن في ذاكرتي أماكن كثيرة لا أتمنى أن أمر عليها، أماكن مازالت موجودة في الواقع. ولاشك أماكن تغيب عنا أو نبعد عنها لكن علاقتنا بها تبقى مستمرة.

وهناك أماكن ماثلة أمام عيوننا وفي طريقنا اليومي؛ لكن علاقتنا بها مبتورة؛ إن لم نسعى نحن لبترها، ولا نتمنى أن نمر باتجاهها. أما مكاني الأثير الذي أحب أن اكتب فيه شعري، وأخلق فيه أفكاري، وفي سفري أشتاق إليه سريعا؛ حتى لو كان السفر قصيرا؛ فهو غرفتي.

رموز الأمكنة

وتتحدث الفنانة التشكيلية د. نجاة مكي عن المكان بالنسبة لها قائلة: ذاكرة المكان تمثل مخزونا عميقا وكبيرا للفنان؛ لأن الأمكنة لها قيمة ودلالة وأحيانا هي رمز. ولأي مكان في الأرض قيمة تتكون؛ لأنه يمنحك الارتباط بالأشخاص والموجودات، أيا كانت الموجودات، حتى لو نبتة وجدت فيه؛ لأنها تشعر بالألفة بينك وبينها.

والأهم في نظر مكي: هي الأمكنة التي تشكل ذاكرة حية لا تموت، ومنها بيت الجد، فهو مربع الطفولة، وهذه ذاكرة لا تموت؛ بدليل أن جداتنا أيضا يتذكرن البيت الأول لأنه الأهم، وله خصوصية.

هناك أماكن لا تغيب صورها عن البال، أماكن لا نكون قد شاهدناها من قبل، فهي حتى لمن لم يذهب إليها، وحتى لو لم نشاهدها مباشرة بل من خلال صورة، لكننا متعايشون معها وتبقى صورة لاتمحى. منها الكعبة الشريفة، ففي ثقافتنا تتكون مثل هذه العلاقات والارتباطات لأنها تدخل في دعائنا، هذه أماكن تسكن الروح حتى لو لم نزرها، كما تستقر أماكن في الذاكرة.

والشعراء والفنانون يعيشون في أزمان وأماكن ليس لها حدود كالبحر مثلا فهو ساكن في داخل المبدع أياً كان مجال إبداعه؛ فما يختلف بين المبدعين هو الأداء حيث يسجل الكاتب بالنص، أما الفنان فلديه مخزون بصري يستعيد به الأشياء، ونحن كفنانين نخلق صوراً بصرية إما بالمفردة أو باللون.

وتضيف مكي: أن الذاكرة لا تقتصر على الأسوياء فهناك أناس كفيفون لكن لديهم البصيرة فتحقق لهم الشعور بالأماكن فيتصورونها ويصفونها بما يدهش، ومنهم فنانون أبدعوا لأنهم يمتلكون قوة إيمانية تجعلهم يبدعون في تصور الأشياء.

وتؤكد نجاة مكي: في تجربتي كان بيت الجد الكبير قريباً من البحر، وذلك سر العودة إلى الأزرق في أعمالي التشكيلية، وهو سر اختزنته من مرحلة الطفولة. إن علاقاتنا بالأمكنة تختلف باختلاف علاقاتنا الإنسانية المرتبطة بمكان دون غيره، ولو من خلال الرائحة.

في السابق كان الزمن زمن الفطرة؛ فجدتي تنظر إلى ضوء الشمس وتراه أداة تحدد به الوقت، وتعرف به التوقيت؛ بينما أنظر إليه أنا فأراه لونا. علاقة اليوم بالمكان تغيرت واسُتعيض عن الزيارات بالهاتف أو السيارة أو الكومبيوتر، مما يؤثر على تشكيل علاقة بالمكان لأننا فقدنا الطريق التي نسلكها في الزيارة ونمر فيها بالأشياء والموجودات. العلاقة بالأمكنة والأزمنة لها تفرد داخل الروح.

تختزن مكي في وجدانها ذاكرة غنية لكنها تقول: أخشى على تشكيل ذاكرة الأجيال بسبب غياب مظاهر التاريخ والتراث الأصيل للمنطقة عنها، لذلك لابد من الحفاظ على التراث لحفظ ذاكرة للأجيال.

فإذا فتح طفل اليوم عينيه ولم يجد ما يتذكره سوف يفقد ارتباطه بجذوره ويسقط، لذلك لابد من تذكيره، ولابد من تزويده بغير ناطحات السحاب التي لا يرى غيرها، من هنا تأتي أهمية المحافظة على التراث الثقافي ليضمن امتداد الذاكرة، وهي محاولة ضرورية تقع مسؤوليتها على الأسرة أولا ثم المناهج والمسؤولين؛ لكن الركيزة الأولى هي الأسرة، وهي المسؤولة عن التراث ورموزه، وذلك لأهميته في ربط الأجيال بذاكرات السابقين، أو بالذاكرات السابقة.

دبي القديمة

من جانبها تتذكر الشاعرة الإماراتية منى مطر مكانها بانحياز فتقول: هي دبي، وأقارنها بين دبي القديمة والجديدة؛ ففي الجديدة أشعر بشيء من الغربة.. في الأحياء السكنية وفي وجوه البشر. أرى امتداد الغابات الإسمنتية؛ لكن ذلك لم ينجح في تقليص حنيني لدبي القديمة بأناسها وشوارعها وحتى نقودها، يتملكني شعور اليوم بأن الفلس قديما كان أكثر بركة أما اليوم فإن غلاء المعيشة يعدم بركة الدخل كله.

أحن كثيرا لبعض المناطق القديمة خاصة حيث أتوه اليوم في الشوارع الحديثة بسبب سهولة التغيير المستمر؛ فان مثل هذا التغيير في الأماكن يؤدي إلى التيه بالنسبة للمرهفين. صرت أخلد مع ذكريات الأمكنة، والأحياء القديمة وبمجرد الخروج منها أشعر بالغربة فأنا يوميا أمام متغير جديد.

لكن لا شك أن هذه المعطيات هي ما سيشكل ذاكرة الجيل القادم مهما حاولنا التأثير بثقافتنا في جيل الغد فهو يتواءم بسهولة مع الجديد؛ لكن قد تخلق له مشكلة مع الهوية لأن الثقافة التي يكتسبها.. من النشيد وحتى الشتائم؛ فهي بالانجليزية. نحن وسط بحر من الجنسيات التي جلبت ثقافتها وأيضا أمكنتها إلى هنا، ومع الوقت لن يتبقى هناك هوية متماسكة للمكان.

أرى من خلال أولادي تشكل جيل مختلف وغير عادي حيث تترسخ لديه الانتفاعية والوصولية. وكل ذلك لا يستثني المكان وهو أمام متغيرات غير طبيعية. المكان لم يعد مكانا للأدب والثقافة والشعر. بالنسبة لي المكان ذو أهمية قصوى وبفقداني للتواؤم والانسجام معه فقد انزويت ولم استطع الموازنة على صعيد الإبداع لأن ما كان يحرضني على الإبداع غاب على الرغم من ضرورة الموازنة بين الأصالة والمعاصرة، حتى يعرف هذا الجيل جذوره.

وتضيف مطر: نحن جيل المحرقة الذي احترق في النص، أما أبناء اليوم؛ فهو جيل المصالح، الذي يحدد أهدافه ويسعى إليها. لم أستطع حتى الآن خلق مكاني البديل لأنزوي فيه للكتابة والإبداع؛ لأن مسؤوليات الأمومة استهلكت الوقت كله. لكن ذلك لم يحل دون ارتيادي لخمسة أماكن في وجداني، وأهمها أولها، وهو الذي كانت فيه جدتي؛ لأنها كانت مصدر الألفة والحميمية والإلهام، وبمجرد غيابها غاب ذلك الشريان.

المعيريض هي كل الكون

في ذلك يؤكد الروائي الإماراتي علي أبو الريش: أن لكل مدينة أماكن معنية بتشكيل الذاكرة، والإنسان ابن بيئته أيا كانت، ومهما كانت بالنسبة للآخرين؛ فقد لا تكون شيئا لهم لكنها غير ذلك بالنسبة لي، وكان يتندر البعض بارتباطي (بمعيريض) ويتهكمون وهم يشبهونها بالبندقية، فمعيريض بالنسبة لي ليست البندقية فحسب، لكنها الكون كله، وهذا الاعتبار لا يعنيهم إنما يعنيني وحدي لأنني الإنسان الذي عاش فيها، وارتبطت طفولته فيها، ومهما عاش يبقى طفلا يحبو على ذلك التراب، وتحت تلك السماء.

المكان يا سيدتي هو الذي يسكننا وليس الإنسان من يسكن المكان، المكان هو الساكن وليس المسكون، وهو مهم، والمكان مثل الحبيب، فليس شرطا أن يكون الحبيب امرأة؛ فالمكان هو الانتماء. ورغم التطور إلا أن أبناءنا يعيشون بلا ذاكرة لقد تحول الأثر بشكل كبير، وهذه مشكلة كبيرة.

وأن تحتفظ المدن بقديمها وآثارها تلك الرئة التي تشكل ذاكرة في النهاية، وما يفعله الآثاريون أنهم يبحثون عن الأجيال السابقة فعن ماذا سيبحث أجيال الغد في المستقبل؟ حقيقة نحن ملامون إن مسحنا كل شيء وواكبنا الجديد. إن الحضارات لا تنمو بشكل فجائي وإنما بشكل تراكمي.

وحين أذهب إلى رأس الخيمة أشعر بأسى على الرغم من أن تغير هذه الإمارة بطيء؛ لكن مع ذلك تتغير الوجوه فيها.. لقد غيرتهم الأمكنة. في السابق كانت وسائل الاتصال بدائية وكان يوجد علاقات وود وتواصل.

ورغم حداثة وسائل الاتصال فما عاد هناك علاقات أو تواصل بالمعنى العميق، وسببه الأساسي تغير الأمكنة، لأن الإنسان تخلى عن أعز ما يملك وهو المكان وبالسهولة نفسها يمكن أن يتخلى عن والديه. وفراغ المكان أسّس فراغا في الداخل كالشجرة التي أسقطت كل أوراقها وبقيت أخشابها.

أتمنى أن نحافظ على ما بقي من معالم، وأن تكون الكتاب الذي سيقرؤه الآخرون بعد عصور. لاشك هناك أماكن كثيرة علقت في ذاكرتي؛ ويبقى المحور لكل ذاكرة هي معيريض، فهي الكون، وهي الواجهات الأربع كلها، وكما لايستغني المرء عن فصيلة دمه فالمكان هو جزء من فصيلة الدم، والتراب لا ينتهي. وما يحدث من تغيير اليوم؛ فلعله هوجة أو عاصفة لابد أن تكون لها نهاية.

مؤكداً على صعوبة فصل الموجودات عن الأمكنة: لا نستطيع أن نفصل بينها كالأرض البطحاء إذا لم يوجد ما يشير إليها من معالم؛ فالمعالم هي الحروف والمفردات لقراءة معاني المكان.

شواهد المكان الشعرية

أما الشاعر الإماراتي سالم الزمر فيلخص ذاكرته من خلال ما قاله شعراء العربية عن الأمكنة ومنهم: امرؤ القيس في قوله:

(قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل)

وما قاله قيس:

(ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة بوادي الغضا إني إذا لسعيد)

وما قاله غيرهما:

( تزوّد من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار)

وقال سليمان العيسى عن دبي:

(دبيّ مدي على الظل منسكبا من رملة يا غطاء الرمل بالشجر

لا تتعبي عندما كنا بلا تعب سقنا الشموس إلى الأهداب والغرر)

ويستطرد الزمر:

والشواهد من الشعر العربي التي يحضر فيها المكان حضورا باذخا كثيرة لا تحصى بدأها امرؤ القيس في أول بيت، ولم تنته حتى الآن عند شاعر.

وإني والمكان لشقيقان لا ينفصلان وإلاّ ضعتُ في الفراغ، وهكذا كل إنسان فضلا عن كل شاعر. والشاعر ـ الحقيقي أعني ـ ليس إلاّ ذكريات حِسان تتحرك محلها أماكن لا تفارق الذاكرة، كلما مر بها جاشت ذكرياته فحن وبكى وأبكى واستبكى، كما فعل حامل لواء الشعراء امرؤ القيس، وليس بشاعر عندي من لا يحمل داخله ذكريات غوالِ على قلبه تهيض بها نفسه كلما مر بالمكان، ولقد كان لي ذلك فتغنيت بأماكن كثيرة منها جبل حفيت الذي كلما زرته ذكرني عهدا جميلا مضى أيام الدراسة وأول الصبا.

تحقيق: فاطمة محمد الهديدي