إنها المرة الأولى التي يثير فيها عرض مسرحي هذه الضجة التي لم تقتصر على السجالات النقدية في الصحف والمناقشات المتواصلة في أوساط المسرحيين والجمهور المسرحي على حد سواء.
بل تجاوزها إلى تدخل الحكومة البريطانية نفسها للتحريض على وقفه وحث الجمهور على مقاطعته بعد أن نشرت نداء في موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت تدعو فيه المواطنين للتصويت ضد عرض العمل والمطالبة بوقفه.
وعلى الرغم من أن رّد فعل الحكومة البريطانية اقتصر على المطالبة بمقاطعة العرض وعدم العمل على منعه، يعد مؤشراً آخر على مدى الحرية التي يتمتع بها المسرح في بريطانيا وأوروبا عموماً، إلا انها المرّة الأولى لجهة تدخل الحكومة وتحريضها ضد عمل إبداعي.
يتناول العرض المسرحي الاستعراضي الموسيقي الضخم (الجهاد ـ موسيقى) قضية الإرهاب الدولي بواسطة حكاية فلاح أفغاني بسيط يدعى حسين المنصور، كان يزرع أرضه بسلام بعيداً عن العالم قبل أن تصل إلى المنطقة امرأة أفغانية غامضة ترتدي الشادور ويفيض السحر من عينيها السوداوين وتقنعه بزراعة الخشخاش الذي سيجني منه أموالاً طائلة.
وبعد تشكك وتردد وتفكير يخضع حسين المنصور لإغراءات المرأة الغامضة ( وهي منقبة) ويزرع الخشخاش، وبعد أن يجري المال بين يديه ويستمرئ اللعبة سرعان ما يبدأ بالتشكيك بنوايا تلك المرأة ويرتاب بعلاقاتها السّرية مع ما تسميه شركة غربية مهتمة بمحصول الخشخاش الذي تشتريه من المزارعين.
وتصدره إلى الغرب، ناهيك عن اتصالها برجال ذوي سحنات قاسية ولحى يتحدثون معها باللغة العربية وليس بالأفغانية، وسرعان ما يكتشف حسين المنصور أن الشركة التي تشتري الخشخاش وتصدره إلى الغرب بطرق غامضة، ماهي إلا واجهة لمنظمة إرهابية تسعى لتفجير أهداف إستراتيجية كبرى في الغرب.
وبين شعوره بالواجب وضرورة التبليغ عن نشاط الجماعة المشبوهة وخوفه من تلك المرأة ونفوذها القوي، يتعرف حسين المنصور على صحافية غربية متخفية بزي أفغاني تشجعه على البقاء معهم في الحلقة وإدامة علاقته بشركة تصدير الخشخاش ليزودها بالمعلومات مقابل مبالغ مالية، الأمر الذي يجعله محشوراً بين سندان الإرهابيين ومطرقة الصحافة
.
العرض من إخراج البريطاني إيفان كابينت وتأليف الأميركي زو صاموئيل وعرض في مهرجان فرينغ أدنبرة المسرحي في اسكتلندا وهو يأتي بعد مدة قصيرة من محاولة الهجوم الإرهابي الأخير في غلاسكو وعملية لندن الإرهابية الأمر الذي أعطى مبرراً، على مايبدو للحكومة البريطانية للاحتجاج عليه مراعاة مشاعر الأهالي وأقارب الضحايا.
وبالنسبة لصانعي العرض فإنهم يقولون، نحن لا نريد التسبب بالألم لأحد، ويضيف منتج العمل الأميركي جيمس لوير مدافعاً، إنه مجرد عرض موسيقي كوميدي لا يشذ عن تقاليد المسرح الانجليزي العريق والمتمسك بمبادئ الحرية. لقد راعينا فيه عدم الإساءة للأديان وعدم السخرية من ثقافات الشعوب، إن هؤلاء الذين يناشدون حجب العرض أو تأليب الجمهور ضده لم يشاهدوه بعد.
العرض شأنه شأن العروض المسرحية الضخمة في أوروبا استند إلى تكوينات صورية رائعة استفادت من تقنيات الصوت والضوء الحديثة مما جعله أقرب إلى العرض السينمائي الحيّ بممثلين حقيقيين يتراكضون على خشبة المسرح التي بدت واسعة .
ولا نهاية لها في مشاهد حقول الخشخاش، بينما بدا محور العرض الفنان من أصل أفغاني سهراب وديع الذي لعب دور الفلاح حسين المنصور متألقاً ومتعدد المواهب، فقد مثل ورقص وغنى وأضفى روحاً مرحة على العرض الذي اعتمد عليه على مدى أكثر من ساعة.
في حين لعبت دور شازيا المرأة الغامضة الممثلة الشابة دانيلا رباني مستفيدة من ملامحها الشرقية الساحرة لاسيما في النقاب الذي زاد من سحر عينيها الفاتنتين، أما بقية الأدوار فقام بتأديتها كل من الممثلة ميتو تشالا بدور نور، جوناثان وينر بدور جاكوز، ديفيد إنجر بدور بلال.
وأيملي ماكنمارا بدور الصحافية فوكسي، وتضمن العمل استعراضات راقصة عديدة ومجموعة من الأغاني الراقصة من مثل أغنية I only see your eyes (لا أرى سوى عينيك) .
لكن هل ضحك البريطانيون فعلاً من هؤلاء الذين يريدون تخويفهم كما قال منتج العرض جيمس لوير؟
سياسياً ليس ثمة إيحاءات مقصودة أو محددة في العرض، أيضاً ليس ثمة سخرية من أحد اللهم إلا من سخرية عابرة من الصحافة الغربية وتهافتها على المعلومة بأية وسيلة حتى لو تقاطعت تلك الوسائل مع نبل الغايات، نعم هناك سخرية واضحة من تجار الأفيون والمخدرات ومزارعي الخشخاش البسطاء الذين هم في الغالب ضحايا منظمات إرهابية تدفعهم لزرعه سواء بالترغيب أو بالتخويف والإكراه، لعلها الركيزة الفكرية الوحيدة التي انطوى عليها العرض ليقول للجمهور، انظر إلى هؤلاء الذين يدعون الصلاح من أجل المبادئ النبيلة.
وهم يتخذون من الأساليب الرثة المحملة بالخطايا وسيلة لتمويل أعمالهم، عدا ذلك هناك كم هائل من الرقص الآسر والغناء الاستعراضي الجميل والموسيقى المطلقة التي جعلت منها تقنيات الصوت الحديث - دولبي ديجتال- سمفونيات زرقاء هابطة من سماء لندن الرصاصية المبللة.
لندن ـ محمد حيّاوي