في بحث العلاقة بين التقليد والمحاكاة والإبداع، ليس ثمة تباينات بين الأجناس الأدبية والفنية وحسب، بل ثمة تباينات بين ألوان الجنس الواحد أيضا، وتزداد حدة هذه التباينات كلما اقترب المنجز من الإبداع الخالص، وتتقارب، وربما تتماهى، كلما ابتعد المنجز عن إضافة الجديد.. فهل في الإبداع تفرد أم فرادة أم التصاق بالذات حد الاختلاف عن الكل؟

يمكن القول بجواز إعطاء ملامح خاصة لكل جنس أدبي في حالات التقليد والمحاكاة، فإضافة للسرقة الواضحة، ثمة تناص وتنصيص وتثاقف وتخاطر وتأثير وتأثر وقص وتلزيق.. الخ، في السرديات من قصة ورواية ومقالة وغيرها، وثمة تقليد أو نحل للشعر قد يصل بالنقاد إلى حالة من عدم القدرة المطلقة على التفريق بين شعر شاعر وآخر.

وفي الفن التشكيلي يمكن لأي فنان رسم لوحة فنان آخر في حالات معينة، ويمكن لفنانين أو أكثر الاشتراك برسم لوحة ما، ويمكن عدم التفريق بين لوحة وأخرى لفنان واحد، ويمكن لفنانين محترفين رسم لوحتين متشابهتين تماماً، وهكذا... وما ينطبق على الرسم أو التصوير ينطبق على الحفر والنحت والجرافيك ...

وباقي الفنون، وفي كل الحالات تظل حدة التباينات أكبر في التشكيل منها في الأدب، لأن ثمة تباينات في طبيعة وآلية وأدوات إنتاج العمل أيضاً، وفي خلق عوالم جديدة تتجاوز رتابة التخيلات، وبالتالي هوامش الإبداع تكون أكثر اتساعاً.

ولكن ماذا عن فن التصوير؟

ثمة تصوير للتصوير قد يخلط بين الفهم الاصطلاحي لفن التصوير كرسم، وبين التصوير الضوئي أو الفوتوغرافي، وفي الحالة الأولى لا يمكن لأي لوحة فوتوغرافية أن تكون بديلة عن اللوحة التشكيلية الأصلية، مهما كانت دقة عدسات التصوير ، ومهما كانت درجة تقانة برامج الكمبيوتر المستخدمة للتضليل.

ومهما كانت حداثة أجهزة الطباعة وغيرها... وفي الحالات الأخرى لا يمكن لهذا الفن أن يُمارس بشكل جماعي، ولا يمكن لأي مصور أن يلتقط من الواقع صورة مشابهة لمصور آخر، مما يجسد حدة في التباينات تختلف عن كل الأجناس الأخرى، ولكن هل سبب ذلك التصاق هذا الفن بالإبداع أم الفرادة أم التفرد؟

يختلف فن التصوير الفوتوغرافي عن غيره من الفنون بخصوصيته وعموميته، ففي عموميته يعتقد الكثيرون أنه فن سهل يمكن لأي مجيد للمبادئ الأولية للتصوير أن يضيف جديداً لهذا الفن... وفي خصوصيته ـ رغم تقارب طبيعة وآلية وأدوات إنتاج العمل ـ من أكثر الفنون فرادة لأن ثمة ظروفاً متنوعة ومتبدلة تسهم في اختلاط الذاتي بالخاص بالموضوعي مما يوحي أحياناً بالإبداعي..

. فحين يقوم مصور ما بالتقاط زاوية لشكل ما، ثمة لحظات هاربة دائما، أكان الشكل متحركاً أم ثابتاً، فإضافة للطقس وتبدلاته، وحركة الظل والضوء وإنعاس كل ذلك على الشكل بين لحظة وأخرى، ثمة نظرة خاصة لكل عين ومسافة لكل رؤية وأحاسيس لكل بصيرة ومرجعية لكل فرد، أكانت ثقافية أم فكرية أم جمالية، تقرب هذا الفن من ذاتية الفنان أكثر من غيره من الفنون... ولذلك لا يمكن تصوير أي تصوير بتماه، أو محاكاته بدقة..

وهذا التباين مع أنه لا يقترب من الإبداع كثيراً، إلا أنه يقترب من الفرادة والتفرد، وللسبق في تصوير ما صورته الطبيعة معايير جمة، فمنها إعادة الاعتبار والتجديد ولفت الانتباه للماضي والحاضر وإضفاء مسحة جمالية على السائد ونظرة مغايرة للمألوف.... وغير ذلك الكثير، مما يمنح هذا الفن قدرات متجددة على إثارة الأسئلة، ولكن عما هو كائن، أكثر من منحه التصورات عما سيكون، وهذا يأخذ من الإبداع حدسه وجوهره الاستشرافي.

abuhamed @albayan.ae