قراءة الجريدة اليومية عادة اكتسبناها صغاراً، ثم تمكنت من شبابنا وأغوتنا بدهائها وطراوتها. فلما طعنّا في السن، وعتقت القراءات، غدت قراءة الجريدة عودة إلى الجذور، واسترجاعاً لصحائف الأيام الماضية.
فكأني بقراءة الجرائد المتأخرة القادمة من شتى الأرجاء ـ في هذه الأيام ـ أسترجع لذة الانتظار التي تسبق قدوم الصحف من العاصمة في الأيام السالفة. وكنا نستقبل الأسماء المهيبة بالوقوف ساعات أمام موزع الجرائد أو باعتها عند أركان الأسواق.
كنت شاباً أقف كل يوم على أبواب موزع جرائد العاصمة (فيصل حمود) بانتظار جريدتي (صوت الأحرار) سائحاً بخيالي في عالم المطابع الفسيح الذي يرسل برقه وصواعقه وحبره من بعيد.
كان لمانشيتات الجريدة العريضة شذى غامض يثير في الشاب المنتظر صعقة ونذيراً، ويدفعه للصفير مع نفسه بلحن أغنية شائعة، متغلباً به على خوفه وانتظاره. سمعني موزع الجرائد أصفر مع نفسي فخاطبني مقرعاً: (لا يليق بشاب من الأحرار أن يصفر بشفتيه لحناً مبتذلاً).
ارتسمت في ذهني آنذاك أكثر من صورة للأحرار الذين ينتظرون الرزم الطرية القادمة من بغداد، منها صورة شاب ينقر ويتذمر ويتظاهر ويحتج، بينما كانت غريزتي الفتية تحثني على أن أستبقي من مشاعري الفياضة على لذة وحيدة مسيطرة دون غيرها هي لذة انتظار المطبوع الذي ولدته مطابع العاصمة وأرسلته مرزوماً بعطره الورقي في حزمة ينقلها القطار النازل من بغداد إلى معقل الأحرار في أقصى الجنوب مع صرر المسافرين.
كانت لذة الانتظار عندي أيسر من لذة الهجوم، ولحظة ولادة المطبوع تسبق لذات القراءة كلها. وما زلت حتى اليوم أؤمن بهذا الترتيب في اقتناص المتع من عمليتي القراءة والكتابة، ورسم الحدود الفاصلة بين إنتاج النص ولحظة طباعته. دفعتني لذة الانتظار في آخر الأمر إلى المشاركة في تحرير المطبوع، فأرسلت مقالة إلى جريدتي، فصار لانتظار مطبوعي معنى مضاعف، ولذة كان قيظ تموز يزيد أوارها. ثم صرت أروي قصص هذا الانتظار فجنيت لذات أُخر.
ثمة شراكة بين القارئ والكاتب في اقتسام لذة المطبوع، غير أن كلاً من الشريكين يهدف إلى حيازة حصة أكبر لإشباع نهمه منها. لا حدود للذة القارئ المتحفز للتقدم بقراءته إلى أمام، فيما ترتسم أمام الكاتب الذي يقرأ نصه المطبوع (المتجسد في شكل آخر) المسافة المحدودة التي انتظر فيها نشوء نصه وخروجه إلى النور، فهو يسترجع في قراءته ماضي النص (القريب أو البعيد) الذي يكاد يفلت من ذاكرته ويحاول اختبار علاقته بمولوده.
إن الطبيعة التكرارية لفعل القراءة توهم بانزلاقات اللذة غير المكتملة على أشلاء النص المطروحة في مشرحة المعاني، بينما لا يتكرر فعل الكتابة سوى مرة واحدة، ولا يزهر إلا في فصل واحد، ولا يقيم في غير حدائق الطباعة. إن لذة المطبوع تتجه إلى هدف واحد، جسديّ في شكله الطباعي.
ولا جسديّ في أشكاله المتحولة (من الصورة إلى الصوت، أو من الصحيفة إلى الحاسوب) لكنها مضمرة في قيمة التشييد والانجاز، وتتشكل في الامتداد البصري للأشياء العمودية المشيدة على جسد النص المفروش بالوعود اللذيذة، أي أنها تحتفي بالمباني الراسخة لا بالمعاني الزلقة. وسألقي نظرة على هذه الأشياء العمودية قبل أن تلقيني لذة المطبوع بعيداً عنها.
يعثر الكتّاب ـ الذين جنوا ثمرات الانتظار الطويل في أروقة المطابع ـ على لذاتهم في ظلال الأجساد الشامخة (الباذخة)، بيوت المستقبل الواقفة على صدر الزمن: الساعات (قلب الزمن) والمراصد الفلكية (عين الزمن) والمرايا (انعكاس الزمن) والمكتبات (ذاكرة الزمن). أما العلامات الزمنية السائرة التي تخطر أمام علامات الزمن الواقفة، فأختار ثلاثاً منها: القاطرة والباخرة والقافلة.
(القافلة)، أجل، تلك هي دالتي على لذة المطبوع التي سأختارها، كما تصوّرها لوحة استشراقية منسوخة من فجر الصحراء العربية. قافلة تخب في الرمال متجهة إلى علامات المستقبل.
تنهض الشمس في الفرسخ الأخير من رحلة القافلة، وتتجه الإبل تعلوها الهوادج نحو مدينة شاحبة الملامح، تلوح في الأفق المصبوغ بلجين الشمس الناهضة. غبار، كلاب، بغال، رجال، رؤوس تتطلع من الهوادج إلى البيوت التي لا تكاد تنهض من الرمال أشباراً. قافلة بلا هوية، لكني سأنحرف عن فضاء اللوحة الاستشراقية لأدمج هذه العلامة السائرة في لذة قراءتي، أو لذة حكايتي.
يُروى أن الصاحب بن عباد، كافي الكفاة، خازن الكتب، مصنّف (المحيط في اللغة)، الذي عاش بين 326 ـ 385 للهجرة ـ كان يستصحب حمل ثلاثين جملاً من كتب الأدب ليطالعها ثناء سفراته ورحلاته.
لكنه لما استدعاه صاحب خراسان الملك نوح بن منصور الساماني إلى بخارى كي يستوزره، اعتذر ابن عباد عن الوزارة، إذ كان نقل كتبه إلى ذلك الصقع البعيد يحتاج إلى أربعمئة بعير، ولم يكن يقوى على مفارقة مكتبته. قبِلَ الملك الاعتذار، وأُعفي الصاحب من المنصب الرفيع، إلا أن بخارى ظلت تحلم بقافلة من أربع مئة بعير تحمل قماطر الكتب تشق طريقها إلى بلاد ما وراء النهر.
وهكذا فإن لوحة استشراقية من القرن التاسع عشر تستطيع أن تمدد انتظار آل سامان للقافلة حتى يومنا هذا تحت علامات المستقبل الشامخة (الساعة والمرصد والمرآة والمطبعة والمكتبة)، مثلما كان القطار النازل من بغداد بصحف العاصمة يمدد لذتنا بانتظار المطبوع.