شهد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة مساء أمس الأول في مسرح شاطئ الراحة، جانباً من الحلقة الختامية لمسابقة «أمير الشعراء» التي أطلقتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، بحضور سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان مستشار الأمن الوطني، والشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس الهيئة ومحمد خلف المزروعي مدير عام الهيئة وعدد من أعضاء السلك الدبلوماسي في الدولة، وجمهور بالآلاف غصّت به مدرجات المسرح جاءوا من جميع أنحاء أرض «زايد الخير» ومن جميع الجاليات العربية المقيمة في الدولة.
وبعد طول انتظار؛ توّج الشاعر الإماراتي المبدع كريم معتوق أميراً للشعراء، حيث ارتقى سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان مستشار الأمن الوطني؛ خشبة المسرح برفقة محمد خلف المزروعي مدير عام الهيئة، ومنح سموه؛ الشاعر معتوق «رداء الإمارة» وشيكاً بمبلغ مليون درهم إماراتي، إضافة إلى درع ذهبية تذكارية تحمل شعار المسابقة، وحصد «معتوق» الذي وصل الحلقة الأخيرة برفقة أربعة شعراء عرب، حازوا المراتب الأخرى. حيث منح سمو الشيخ هزاع بن زايد الشاعر الموريتاني محمد ولد الطالب الجائزة الثانية وشيكاً بقيمة نصف مليون درهم، والفائز بالمرتبة الثالثة السعودي جاسم الصحيح الجائزة الثالثة وشيكاً بقيمة 300 ألف درهم.
بينما حلّت السودانية روضة الحاج في المرتبة الرابعة وقيمة جائزتها 200 ألف درهم، وجاء الفلسطيني تميم البرغوثي خامساً بجائزة قدرها 100 ألف درهم، هذا إضافة إلى تكفل إدارة المهرجان بإصدار دواوين شعرية مقروءة ومكتوبة لأصحاب المراكز الخمسة في مهرجان أمير الشعراء، والجدير بالذكر أن نتائج التصويت وكذلك تقديرات أعضاء لجنة التحكيم جاءت متقاربة مما يجعل الخمسة شعراء يستحقون لقب أمير الشعراء.استضافت الحلقة الشعراء الخمسة المتأهلين من أصل ستة متسابقين حيث خرج المتسابق حازم التميمي من العراق، بعد حصوله على أقل نسبة تصويت، والشعراء الخمسة هم: جاسم الصحيح (السعودية)، روضة الحاج (السودان)، محمد ولد الطالب (موريتانيا)، عبدالكريم معتوق (الإمارات)، تميم البرغوثي (فلسطين)، فارتقوا مسرح شاطئ الراحة بمدينة أبوظبي، وتم بث الحلقة على قناتي أبوظبي الفضائية وأمير الشعراء وإذاعة إمارات أف أم مساء الجمعة الماضية.
شاعر الأقصى: بدأت المنافسة بقصيدة شكر ألقاها المتسابق تميم البرغوثي (فلسطين) ـ الذي حاز لاحقاً المرتبة الخامسة ـ وصف فيها الحاضرين من جمهور مسرح شاطئ الراحة بالطير الذي يحط على كتفه ليباركه، واختتم قصيدته بتعريف نفسه ووالديه وبلده فلسطين، وقال فيها د.عبدالملك مرتاض، إنها قصيدة مليئة بالجمال الفني الفائق وصورها بديعة، بها عبق طفولي كالمرمر، وأشار الفنان غسان مسعود، إلى أن الشاعر به عزة وعنفوان ويتقن المراهنة على الناس.وقال له: اعلم ان المشي على حبل الموهبة مشدود ويحتاج إلى أعصاب باردة ليحسم مسألة التوازن، ووصف الشاعر نايف الرشدان المتسابق بشاعر الأقصى الذي ما زال يتقن خمائل الصوت الجميل وبرر اختيار الشاعر للطائر في قصيدته لكونه كائناً أليفاً معرضاً للخطر لكنه حٌر.
وأضاف ان النص يشتمل على انفعالات حية وهيمن عليه السياق السردي كما حمل قضية كبيرة، وسأل د.صلاح فضل المتسابق، هل تعلم أن محبتك هي التي وحدت فيك الخصال التي تكاد بها تخلق بيتاً فلسطينياً بيديك؟ وأضاف، بالنص شعر حقيقي من أعلى مراتب الجهاد ويتحدث الشاعر بلغة الزعماء ويخاطب بلغة الأمة مع شيء من الحياء، وقال د.علي بن تميم إن الشاعر مشغول بالتفكير في صوره الفنية التي تحاول استدعاء شكل ذاتي بالنص وهو الرسالة والاستدعاء هنا ساخر يبث فيه إحياء الأشكال المنهكة.
مقامات حجازية
وألقى الشاعر جاسم الصحيح (السعودية) ـ صاحب المركز الثالث ـ قصيدة بعنوان «آخر مقامات العشق» قال فيها الفنان غسان مسعود، إن صاحبها يملك قدرة فريدة على المزج بين المادة والفكرة والصورة والمعنى وخاطب الشاعر قائلاً، في حضورك تواضع الكبار وخجل ماكر وتعلن أكثر مما تضمر وشعرك الكبير يترك للتأويل مساحات واسعة.
وقال الشاعر نايف الرشدان إن جاسم هو الحاسم حيث اختار للقصيدة عنواناً جميلاً أغرى كثيراً من الشعراء الكبار سابقاً، كما أن هناك تجربة صوفية لكنها المكون الأساسي الذي يدخل في بنية أكثر من نسق شعري بكلمات لها دلالات بعيدة كما أن التضاد في شعره مصدر للشاعر والخطاب الشعري متفرد، وقال د. صلاح فضل إن الشاعر أعاد صراع العشاق ومزج بين «أبي بديعة» و«نزار قباني»، وهو مثل الشوق لا يعرف أي حدود إلا أن الكلام لديه مدرج للروح ويصف الأجسام حالة خروجها من الرتابة كما أن القافية ورطت الشاعر فهي أبعد ما تكون في لحظاته.
وأشار د.علي بن تميم إلى أن الشطر القائل «كنا نفتش عن طريقٍ نحو جوهرنا...» هي من أجمل أبيات القصيدة فهو يجعل الشاعر نقيضاً للصوفية التي تؤمن برد الأمور لعالم واحد وهذا هو الضياع في حد ذاته، كما تؤكد فلسفة الشاعر أنه ضد الأفكار الجوهرية التي تختزل الأشياء وتعلي السيطرة عليها، وقال د.عبدالملك مرتاض للشاعر: أقدم لك نقداً تكريمياً لأنك تحلق بشعرك عالياً.
أمطار روضة
وتألقت المتسابقة روضة الحاج (السودان) ـ الحائزة على المرتبة الرابعة ـ كعادتها في قصيدة شعرية بعنوان «تغريبة المطر» تفاعل الجمهور مع كلماتها ومع ما حملته من أوصاف، قال عنها الشاعر نايف الرشدان إن القصيدة بها تناص لقصيدة شاعر معروف ـ هو بدر شاكر السياب ـ كما أن الشاعرة لن تتخلى عن حقها المشروع في المطالبة بحق الأنثى بالحصول على اللقب الشعري.
كما أن خطابها الشعري مفعم بالقيم الفنية وبه استحضار للشخصية التراثية مع وجود علائق للقناع والنص تدل على تكريس الأسى وهيمنة السياق السردي للنص لها مبرر كبير، وأشار د.صلاح فضل إلى أن شعر روضة عبارة عن معزوفة ذات مفردات جميلة وينهمل دافقاً مثل المطر ويغتسل بعطر الأنوثة وتحلم من خلاله بعالم متحرر وتشيد بنبل الطبيعة وتنشده للصغار والكبار غير أنها تورطت في مأزق ملحمة السياب فهي سيمفونية مركبة.
وقال د.علي بن تميم إن الشاعرة تحاول أن تعيد قراءة أنشودة المطر للسياب وتقرأ الرجال من منظور المرأة المحبة واختارت المطر لتدمج به ما غاب عن «السياب» من التحيزات العرقية، وأشار د.عبدالملك مرتاض إن مسيرة الشاعرة في غاية الإثارة، فقد خرج من النيل الأزرق شعراً معبقاً معتقاً فانتشر في إمارات الكرم وهطل قطرة فأطفأ الظمأ، وخاطب الفنان غسان مسعود الشاعرة قائلاً: أنت أنثى وحيدة في مواجهة أربع ذكور كما أن صوتك الغائب دافئ سيدهش الزحف الذكوري على الشعر العربي ووصفها بقهوة برنامج أمير الشعراء في لونها الأسمر وطعمها الجميل.
إماراتي أنا
تلاها «أمير الشعراء» عبدالكريم معتوق من الإمارات الذي أنشد قصيدة بعنوان «جديرٌ فيك يا وطني» تحدث فيها عن قيمة بلده الإمارات وفضلها عليه لدرجة خجله منها وحاول إرسال رسالة موجزة عن تاريخ الإمارات، وصفها د. صلاح فضل بأنها أجمل القصائد جدارة وجهارة وأنشودة غنائية عذبة بليغة تتغنى بقيم الوطن وتعزف على وتر الصميم، وقال د. علي بن تميم إن مضمون النص رائع جداً، ويمتلك صاحبها القدرة على حل الشعر والسرد في موضوع الوطن.
ووصف د. عبدالملك مرتاض التجربة الشعرية بالمتفردة عن الموت والوطن، وبها جزالة فائقة من أرض المليون زايد كما أنها قصيدة عصماء، وقال الفنان غسان مسعود إن الشاعر يغني الشعر ويرقص بالكلمات ولديه لغة مسرحية تتناغم مع الصوت لتحقق له عنصر القبول والحضور، وذكر الشاعر نايف الرشدان أن النص يجسد العلاقة بين الحضور والغياب وبه تجربة عميقة وصادقة.
سنابل الشنقيطي
واختتمت الأمسية بالمتسابق محمد ولد الطالب (موريتانيا) ـ الحائز على المرتبة الثانية في المسابقة ـ الذي ألقى قصيدة بعنوان «توقيع على السنبلة» أكد فيها معرفته بعدد حبات السنابل!!! وتطرق إليها د. علي بن تميم قائلاً إن الشاعر يحاول أن يتمثل نوعاً أدبياً تراثياً ليعيد بعثه من جديد كما أنه حاول قراءة توقيع عمر بن الخطاب رضي الله عنه «كفى بالموت واعظاً» كما أنه يعيد توظيف الأساطير من خلال الاستحضارات الأسطورية والتاريخية وإعادة كتابتها.
وسأل د.عبدالملك مرتاض...هل بقي ولد الطالب وحيداً من كل شعراء المغرب؟ في إشارة إلى قدرة الشاعر على الإبحار في آفاق الخيال كالسندباد، كما أن صوته انطلق هادراً وترنو له العيون النواعس ووصف شعره بالرصين الذي يتأثر بالنسيم العليل.
وقال الشاعر نايف الرشدان إن خطاب الشاعر متقن ويبني جملاً فارهة وعنوانه يثير حفيظة النخيل ونصه يجسد تداعي الذات ويبرهن شفافية نبيلة ويلحظ ملاحقة الصور الدالة على الواقعية والمثالية، وقال د. صلاح فضل إن القصيدة مبهرة ومشوقة وتعتلي نوعاً من الترميز الذي يتوه فيه المتلقي، ويبدأ في حلها كما أنه يوظف بقوة القصد الديني المشترك إلا أن الشاعر يقع في النثرية قليلاً.
الارتجال
في نهاية الحلقة قرأ الشعراء الخمسة بعضاً من الأبيات المرتجلة حول موضوعات بعينها قاموا باختيارها عبر قرعة أُجريت في بداية الحلقة فكان «الصقر» من نصيب روضة الحاج، و«الليل» لتميم البرغوثي، و«الأم» لعبدالكريم معتوق، وكانت «الصحراء» من نصيب جاسم الصحيح، و«الخيل» من نصيب محمد ولد الطالب، وقدم المشاركون الخمسة أجمل ما لديهم في صورة شعرية راقية، قال فيها د. عبدالملك مرتاض موجهاً حديثه للخمسة لقد أبدعتم طوال المرحلة الطويلة الماضية.
وأكد الفنان غسان مسعود أن محمد ولد الطالب يحضر عنده الشاعر المتنبي ويحمل لغة رصينة جميلة ووصف تميم البرغوثي بالشاعر الساخر المر مستخدماً مبدأ شر البلية ما يضحك، أما جاسم الصحيح فيستند ظهره على أرض ولاَدة، وتعتمد روضة الحاج على التحليق في قصائدها وقدرة عبدالكريم معتوق على الاعتراف إيماناً بمبدأ أن الرجال يكبرون بالاعتراف.
وقال الناقد نايف الرشدان إن محمد ولد الطالب لديه قدرة عجيبة على استيعاب التراث وشعره فذ ويحمل تميم البرغوثي رؤية فلسفية تعبر عن ثقافة راقية، كما يحمل جاسم الصحيح سمات الفن في التعبير والتصوير وهناك الولاء للوطن، أما روضة الحاج فقد برعت في التحليق مع موصوفها بالقصيدة وهو الصقر، ووصف عبدالكريم معتوق بالشاعر المميز جميل الإبداع.
ألقاب شعرية
شهدت الحلقة إطلاق بعض الألقاب على الشعراء الخمسة والثلاثين المشاركين في المسابقة من خلال تصويت زوار الموقع الإلكتروني لبرنامج أمير الشعراء فكان لقب شاعر الجماهير من نصيب الشاعر الشيخ أبوشجة (موريتانيا)، ولقب شاعر الحب من نصيب الشاعر الهادي القمري (تونس)، ولقب شاعر القضية من نصيب الشاعر خالد السعدي (العراق).
ولقب شاعر الإبداع من نصيب الشاعر محمد عبدالمولى (سوريا)، ولقب الشاعر الواعد من نصيب الشاعر الوليد بن ظافر الشهري (السعودية)، أما لقب شاعر الرومانسية فكان من نصيب الشاعر عمر حاذق (مصر)، ولقب شاعرة الإنسانية من نصيب الشاعرة زينب عامر (الإمارات)، ولقب شاعرة الرسالة من نصيب الشاعرة هاجر البريكي (سلطنة عمان)، ولقب شاعر الشفافية من نصيب الشاعر طلال الصابري (الإمارات).
وكانت مفاجأة الحلقة التكريم الخاص من أعضاء لجنة التحكيم لبعض الشعراء المشاركين من خلال معايير خاصة يراها كل عضو بلجنة التحكيم فمنح د. عبدالملك مرتاض جائزته للشاعر عبدالله أبو شميس (الأردن)، ومنح د. علي بن تميم جائزته للشاعر مصطفى الجزار (مصر).
ومنح د. صلاح فضل جائزته للشاعرة بهيجة أدلبي (سوريا)، ومنح الناقد نايف الرشدان جائزته للشاعر زاهر أبو حلا (لبنان)، ومنح الفنان غسان مسعود جائزته للشاعر عبدالعزيز الزهراني (السعودية)، كما تجمع على المسرح الشعراء الخمسة والثلاثين المشاركين في البرنامج في أوبريت شعري قام فيه كل متسابق بإلقاء بيت شعري واحد بحيث أبدع الشعراء في نظم قصيدة متكاملة جميلة المعاني.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري



