العمل المسرحي تحديداً يدخل في إطار الالتزام التام للفنان، الإعداد لمسرحية ما يحتاج إلى زمن، ومعاناة، ومخاض طويل، يصاحب هذه المسيرة الكثير من الحوادث التي تضطر الفنان المسرحي إلى تجاوزها مهما تعقدت أو تداخلت.
والمسرح مدرسة نتعلم منها، على الصعيد الشخصي فقد علمني المسرح كثيراً، وأعانني على التأقلم مع كل إشكالية أو مأزق يصادفني، بل علمني أيضاً الصبر والالتزام والمثابرة وسرعة الإنجاز، إضافة إلى تقنيات عديدة استفدت منها في حياتي اليومية، والعملية.
من أبرز الدروس التي تعلمتها في المسرح، الالتزام بالوقت، وحينما أعود بالذاكرة إلى الوراء، انحني لأساتذتي وزملائي المسرحيين لأنهم كانوا طرفاً في تعليمي.
ظروف العمل اضطرتني ذات يوم للتأخر عن بروفة مسرحية لمدة لا تزيد على ربع ساعة. وأراد زملائي أن يعطوني درساً في الالتزام الذي كنت أحرص على تحقيقه معهم، فما كان منهم إلا أن خلع كل واحد منهم ساعته، وعلقوا جميع الساعات في مدخل صالة البروفات، وعند دخولي متأخراً وجدت كل عقارب الساعات تدينني وتشير إلى تأخري عن البروفة.
الدرس الثاني الذي أذكره من أستاذي المخرج الكبير «سعدون العبيدي» الذي ألغى بروفة مسرحية «حب على الثرثار» كنت مؤلفها، وأعمل معه مخرجاً منفذاً، لأني تأخرت حوالي ربع ساعة فقط، بسبب مرض ابنتي، وحملني مسؤولية الإلغاء، ودرج ذلك في تقرير العمل اليومي، وتقبلت العقوبة بروح شفافة، ولم اعترض، وبقيت أشعر بفضله علي كأستاذ حتى هذه اللحظة.
إن وقت البروفة مهم جداً أمام الفنان المسرحي، لأنه يرتبط بوقت كل عضو في الفريق، وخطة الإخراج، وزمن البروفة، ومزاج زملائه، وعلاقات كثيرة لا مجال لذكرها، وقد اضطررت خلال أعمالي المسرحية إلى الاستغناء عن العديد من الزملاء الأعزاء عليّ لتكرار تأخرهم عن البروفة.
في حين أذكر باعتزاز كبير الفنانة الكبيرة «مريم سلطان» إذ تعرضت لحادث دهس سيارة في بداية الثمانينات، وكسرت ساقها وخضعت لعملية جراحية ونامت في مستشفى القاسمي في الشارقة.
وذهبت لزيارتها برفقة الزميل الفنان سيف الغانم، وتحدثنا عن ضيق الوقت وتأخير العمل، نظرت أم عادل لنا وابتسمت وقالت «لا يصير خاطركم إلا طيبا، مساء غد تجدونني معكم على المسرح»، فقلنا لها، والطبيب، وتعليماته بعدم الحركة، قالت (في الليل سأهرب من المستشفى، وغداً أعود إلى المسرح، وإذا قدر لي أن أموت فليكن على الخشبة، لا على السرير)، ورغم رفضنا إلا أن «أم عادل» أوفت بوعدها، وأدت التمارين جالسة على كرسٍ متنقل طيلة أيام البروفات.
أما الفنان الصديق «سعيد عبدالعزيز» فقد التزم مرة بعرض مسرحي، رغم موت أحد أقاربه من الدرجة الاولى، وبعد ساعات قلائل من موته المفاجئ. فأي ألم كان يمر به هذا الإنسان وهو يغالب عواطفه وإحساسه، ملتزماً مع جمهوره.
وأذكر أيضاً الفنانة «أمينة القفاص» وقد تركت المستشفى في الكويت قبل أن تشفى من عملية جراحية، التزاماً ببروفات مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر في الشارقة في بداية الثمانينات. وقد فاجأتني بدخول صالة البروفة، وهي في حال صحي مترد حرصاً منها على استمرار البروفات، وعدم إجهاض العمل.
ومثل هذه الحالات كثيرة جداً، وهي دليل على معاناة الفنان الذي ينبغي أن يلتزم بأشياء كثيرة ضماناً لاستمرارية العمل، والمسرح فن جماعي يحتاج إلى تواجد الجميع طالت أو قصرت أدوارهم، وهو فن الالتزام والمخاض والمتاعب. ولكنه أيضاً مدرسة حياتية إلى كونه فن الأضواء والنشوة، والفرح، والاعتزاز، مع كل كف تصفق بعد انتهاء المشهد المسرحي.