ليست حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة، إنه عنوان كتاب راجيف جاندرا سيكاران، الكاتب والصحافي الأميركي من أصل هندي الذي قضى فترة في العراق، أثناء حكم السفير الأميركي بول بريمر، عنوان الكتاب (حياة إمبريالية في مدينة الزمرد، من داخل المنطقة الخضراء)، وهو يجسد تجربة الكاتب في العراق أثناء عمله كمدير لمكتب جريدة الواشنطن بوست في بغداد، حيث كان مطلعاً، بحكم عمله، على الكثير من الأسرار وآليات العلاقة المتداخلة بين الأميركان ونظرائهم العراقيين.
الكتاب الذي صدر عن دار راندوم للنشر أثار ردود أفعال متفاوتة في أوساط الدبلوماسيين ورجال إدارة الرئيس جورج بوش، لجهة احتوائه على تقييمات محايدة وموضوعية للأحداث التي صاحبت احتلال العراق، لكن المثير للدهشة أن ينتبه إليه السينمائيون في هوليوود، وتحديداً المخرج الأميركي البارز بول جرينغراس، مخرج أفلام الجاسوسية والمغامرات السياسية الكبرى التي أنتجتها هوليوود في الأعوام الأخيرة.
فقد سعى جرينغراس لإقناع الممثل الشاب مات ديمون، بطل أفلامه، المتحمس بدوره لدخول عالم الإنتاج السينمائي لحسابه الخاص، بقراءة الكتاب، وحالما انتهى الأخير من القراءة قرر البدء بالإعداد لكتابة سيناريو الفيلم مستفيداً من كم المعلومات الهائل الواردة فيه.
سيناريو الفيلم أنجز الآن وستبدأ مرحلة التصوير الفعلي قريباً، وسيلعب الممثل مات دامون دور السفير الأميركي المعين في العراق والمكلف تشكيل حكومة عراقية هناك، حيث يكتشف ضحالة مستوى المتقدمين للمناصب، والتكالب الذي يبديه البعض من أجل الفوز بالمنصب حتى لو كان لا يجيد القراءة والكتابة.
أكثر الذين قرأوا الكتاب دهشة هو الممثل مات دامون نفسه الذي يقول عن الحقائق الواردة فيه، (إنها كارثة حقيقية! فهناك من المتقدمين أناس لا يتحدثون العربية على الإطلاق! وعند المحاسب الذي يدفع لهم الأجور اكتشفوا أنهم لا يجيدون العد أيضاً).
وتركز قصة الفيلم بالدرجة الأساس على الحياة في المنطقة الخضراء في بغداد بداية إقامتها، وتكشف السلطة المطلقة التي منحت للسفير بريمر الذي لم يكن يملك أدنى فكرة عن العراق أو تركيبته السكانية والاجتماعية، كما تسلط الضوء على الكثير من الشخصيات العراقية التي اضطرت للتعامل مع بريمر في مرحلة من المراحل وتفصيلات الصراع والتكالب، ليس من أجل خدمة البلاد وإعادة إعمارها، بل من أجل المصالح الشخصية والسرقة.
الكاتب جاندراسيكاران قال في محاضرة له في نادي الصحافة في واشنطن، (لقد حاولت اعتماد الموضوعية والحيادية في رصد الأحداث، وكنت شاهداً على تبديد خطط الولايات المتحدة لمستقبل العراق، وتدمير الزعماء الليبراليين، والتسبب في إغراق البلاد في حالة من الفوضى الشاملة، لقد أدركت بحكم تجربتي في العراق لم يصبح بعض الرجال ديكتاتوريين؟، إنها السلطة المطلقة عندما تكون بيد رجل واحد).
الكتاب
دخل راجيف تشاندراسيكاران العراق كمراسل للواشنطن بوست، قبل الحرب بأشهر، منتقلاً من مكتب الجريدة في القاهرة، وخرج منها بعد سقوط نظام صدام حسين، واستمرت فترة بقائه في العراق من ربيع العام 2003 حتى شتاء العام 2004.
وكانت تقاريره وتحليلاته التي كان يرسلها لجريدته في واشنطن مثار جدل ونقاش في أوساط رؤسائه في العمل، لكنها كانت تجد طريقها إلى النشر في النهاية مع استثناءات قليلة، لذا قرر جمعها في كتاب واحد اسماه (حياة إمبريالية في مدينة الزمرد ـ من داخل المنطقة الخضراء)، الكتاب احتوى الكثير من الفصول تحت عناوين فرعية من مثل، بوب ووردوارد حالة إنكار، بوش في الحرب، جيمس اليور الأعمى الذي ذهب إبى بغداد، عملية الكوبرى الثانية من الداخل، قصة غزو العراق واحتلاله.
لكن يبقى الخيط الذي يربط هذه القصص والتقارير الفورية الساخنة الآتية من أرض الجحيم مباشرة بالنسبة لهؤلاء المسترخين في مكاتب الجريدة في واشنطن، هو سلسلة الأخطاء الإستراتيجية، والتناحر السياسي العام، والحسابات الخاطئة التي أدت حسب الكاتب في محاضرة لاحقه له، إلى ما سمي (بالوضع الخطير والمتدهور في العراق) الذي استنتجته مجموعة دراسة العراق مؤخراً.
ثوب المهرج
بالنسبة لسيناريو الفيلم الذي أضطلع بول جرينغراس بجانب كبير منه، سيركز على الخروقات القانونية التي ارتكبتها إدارة بريمر في العراق من سن قوانين وطبع عمله وجمع ضرائب ونشر رجال شرطة وتصرف مطلق بعائدات النفط الكبيرة، كما سيركز على طبيعة حياة أكثر من 1500 موظف نقلوا من أميركا إلى بغداد كانوا بمثابة ثوب المهرج، الذي هو في الفيلم طبعاً السفير بول بريمر، سيظهرهم الفيلم على شكل مجموعة مختلطة من رجال الأعمال الذين ينشطون في الحزب الجمهوري، والمتقاعدين الساعين إلى تأطير سنينهم الأخيرة بطعم المغامرة.
والدبلوماسيين الذين درسوا في الشرق الأوسط من خريجي الكليات، يقول جرينغراس، يبدو أن حكومة المهرجين هذه كانت تستهلك ربع الأموال التي وضعت تحت تصرف السفير بريمر آنذاك بدعوى إنهم يعملون في منطقة حرب لصالح حكومة الولايات المتحدة.
بروكسل ـ محمد حيّاوي