اختتم الملتقى الأول لرواد الفكر والثقافة في الخليج والجزيرة العربية أعماله في جامعة عجمان مساء أول من أمس بأمسية شعرية أحياها كل من الشاعرين البحرينيين قاسم حداد، وعبد الله خليفة والعلامة السعودي الدكتور عبدالله العثيمين.. وبتكريم دائرة الثقافة والأعلام في عجمان للمشاركين في الملتقى وسط حضور جماهيري واهتمام ثقافي وإعلامي لافت.
افتتح الأمسية الشاعر قاسم حداد بنثر زعفران حبه عبر تداعيات لغوية تأخذ من حكايا الجدات دفء الليالي الشتائية العابرة كالحلم، ومن جنّية الأنس كذبة جديدة لملح الدموع، ومن القول نافدة لتنويم الليل.. مفارقات لا تستوعبها أية فتنة بين الأطفال والوحوش، ولا يغفر لنميمتها تعدد مرادفاتها ومقارباتها ومعاكساتها ومشاكساتها و.. و.. من وزن «استفعل» من «بنات آوااا» الجديدة القديمة، ولا تأويل جديد لليلى المجنونة بتكرار الجنون.. فماذا يقول عن ليلى في قصيدته الأولى «سأقول عن ليلى» ؟
يقول عن:
القتلى وعن دمنا الذيّ هدروا
عن الوحش الصديق وفتنة العشاق
والليل الذي يسعى له السهر
عن الطفلين يلتقيان في خفر
ولما يزهر التفاح يختلجان بالميزان حتى يخجل الخفر.
كيف ينتقل الشاعر دون ظله من صدره المشرع للريح إلى صدى يردد في غفلة الكهف وصاياهم عن الحب، ويأخذ من الوشاية السحرية فضح الروح لتراتيل الحمام، ومن المرأة المشبوقة بالتمرد معنى غريباً لتفاحة القلب..؟
هل ثمة نزق بريء لما بعد المعرفة، أم الذهاب إلى الحب ليس كالاستلاب له؟ هل ثمة هذيان يقود إلى صحو مؤلم حتى الغيبوبة، أم ثمة مرايا مغايرة للجنون؟
قل هو الحب
ولا تصغ لغير القلب
ولا تأخذك الغفلة
ولا ينتابك الخوف على ماء الكلام
قل لهم في برهة
بين كتاب الله والشهوة
تنساب وصاياك
وينهال سديم الخلق قي نار الخيام.
خطاطون
حين يصفع الشاعر قاسم حداد من زعفران الوقت خطوطا لجسده المدمى، يجوّد للقصب تسع هذيانات تتراوح بين الضفاف ـ دون أرقام لما بعد الأسئلة القادمة ـ وبين أعراس الهودج المثكول بالتناسل دون جدوى، يرسم لجغرافيا الفجيعة تماهياً جديداً مع الخرافة، ويصير مشعوذاً مرموقاً في أسفار التأويل والتبجيل والترتيل والتحويل والتزييل وال... ويرسم ويوسم ويختم.. ويبدع صنوفاً جديدة من استشرافات التأويل والتبجيل لا يدركها الخيل ولا الليل ولا حتى كلام الماء ولا السماء، ولا الأمكنة ولا مجرد الأسماء، فعن أي هروب إلى الذات الكل، إن شاء الكل، يتحدث الشعراء؟
يتناوب تسعة خطاطين على جسدي
بالقصب الطازج والآيات وجبر الجنة
يهتاجون كتاج الهودج في العرس
ويبتهجون
ويقترعون عذاراهم في علانية....
يتهجون الكوفة والبصرة
ينداحون كخمر الهودج
يختارون الناضج من قصب التذكار
ويغتصبون الأبكار من الكلمات
فينهض في جسدي جيش النوم ونرد الليل
ويدب البنج الأسود مثل الفتنة...
فهل هي حقاً تسابيح الشاعر منذ بنات آوى المسكونة في سقف الحكايا كالمشبوقة بجنون التعويذ، أم ليلى التي نسيها الذئب والشاعر في فتنة التأويل؟
اضفى الشاعر عبدالله خليفة على الملتقى أجواء مغايرة بمسرحته الأمسية الشعرية، فقد فاجأ الحضور باستمرار صوته المتراتب مع إيقاعاته ولغته وحركاته على المنصة، دون مكبرات ثابتة للصوت، يشدو أشعاره دون اكتراث لما اعتادته المنصات الشعرية من ترسيم وترتيب، وزاد من ذاك التألق تنويعاته الغزلية ورشاقته اللغوية ودرايته في اختيار قصائده المناسبة للزمان والمكان..
فقدم باقة من قصائده الفصيحة والعامية أشارت بوضوح إلى انه ابن هذه البيئة البحرية، ولكنه في الآن نفسه ابن هذا الهم العربي ومرجعيته هذا التاريخ، ومفرداته بنت هذه اللغة التي استطاع أن يشتق منها رهيف التعبير عن مشاعره التي واكبت مع قدرته المميزة على الإلقاء وتناغمت مع موسيقاه الداخلية والخارجية... وكانت من قصائده التي جمعت حوله كل الحضور قصيدة «لا أحد» يقول في مطلعها:
عاصف ليلي ومن قلبي أرى
فيما يرى النائم أني شجر في بلدي
وجذوري في بلد
وبأني حجر الياقوت في مكمنه
وبأني الدر في خافي الصدف
وبأني موجة خجلى تنمي سحباً
تتسقاها تضاريس الأبد..
العلامة الدكتور عبدالله العثيمين شيخ الشباب الذي لا يرضى أن يكون مخضرما، بل من الأجداد الجدد، لسع بتهكمه وسخريته مكامن توق الحضور للبوح عن الهموم السياسية والوطنية، فناجى الوطن بطريقته الخاصة، باكياً على الوحدة العربية، متسائلا عما بعد فلسطين والعراق، مستعيداً حوادث ومناسبات ومؤتمرات ومهازل تاريخية تارة.
ومذكراً الحضور بشخصيات خانت الوطن وبدول مازالت تخون، مندداً بالصمت العربي والتبعية للسلم والسلام دون جدوى وللدول المستغلة لحقوق الشعوب، مفنداً سياسات الحكام العرب اتجاه إسرائيل وأميركا وغيرها من الدول الغربية بكل جرأة ووضوح، ولكن بأسلوب شعري تهكمي لا يخلو من طرافة ومتعة، وحماسة ألهبت مشاعر الحضور:
حطمنا القيود ورفضنا كل أنواع المهانة/ وتجرأنا وأصدرنا إدانة لزعامات يهودا/ وتشجعنا وكدنا نرفع اللوم لأمريكا الصديقة/ غير أنا فطنا أن للقول حدودا/ فتركنا اللوم واخترنا كما اعتدنا المرونة/ فعتاب الدولة العظمى رعونا/ ربما أدى إلى قطع المعونة.
عجمان ـ محمود أبوحامد
