لا أريد أن أتحدث عن دبي بشكل سياحي، فهذه المدينة الجميلة تضج بالحياة والوافدين والإنشاءات والتعمير والبناء والمشاريع الاقتصادية العملاقة، وهو ما يمكن تلمسه على نحو مباشر، ويمكن لأي سائح أن يرى النوع المديني الجديد الذي يتشكل بسرعة خارقة، ينحسر فيها الزمن على إشراقات جديدة تطل دائماً في عيون الناظرين.
وعلى قلة شهور إقامتي في دبي، لابد لي من أن أؤشر إلى ظاهرة لافتة للنظر تماماً، وهي الظاهرة الثقافية بمعناها الواسع، فهذا البلد يضج بالأنشطة الثقافية والأدبية والفنية وبوسائل مختلفة ومناسبات تكاد لا تنتهي!
فمن الجوائز الأدبية على مدار العام،
إلى الاحتفالات العامة،
إلى المهرجانات الثقافية،
إلى الأمسيات الأدبية،
إلى العروض السينمائية بحضور ألمع نجوم السينما،
إلى العروض التشكيلية التي تستضيف كبار الفنانين،
إلى الاستضافات العربية والأجنبية في حقلها الثقافي،
إلى المظاهرات المسرحية التي يشارك فيها الجميع،
إلى ورش العمل الدؤوبة في تحقيق السبق الإبداعي والريادي في شتى المجالات الثقافية والأدبية والفنية..
إلى هذا وغيره، تجد الحالة الثقافية وقد تشربت في المؤسسات المعنية، وأخذت أفقها الإنساني الفاعل، وبالشكل الذي يدعو إلى الإعجاب حقاً..
يمكن توثيق نشاطات مركزية ثقافية رسمية وأخرى يسهم فيها القطاع الخاص، فمجلس دبي الثقافي بوصفه الحاضنة المركزية للثقافة المحلية بتجلياتها المختلفة في إمارة دبي هو العنوان الذي يضمن النجاح الدائم للملتقيات والأنشطة، ومثله ندوة الثقافة والعلوم ومركز جمعة الماجد ومؤسسة سلطان العويس الثقافية والمرسم الحر بهيئة الشباب وغيرها مما يمكن تأشيره كواجهات ثقافية صاعدة في ترسيخ المفهوم الإبداعي الحر في إمارة دبي.
لن أبحث عن إحصائيات ولا أرقام، فالمتابع يقتنص هذه الحفاوة الاستثنائية بالثقافة وروافدها وتجلياتها ومعطياتها الكثيرة، والمتابع سيقف أمام الوقت الذي يحاصره من الجهات كلها وهو يتنقل هنا وهناك، بين الجاليريهات والقاعات والأمسيات والندوات والأفلام والعروض المسرحية... النشاط الثقافي في الإمارات عموماً.
وفي دبي على وجه الخصوص، ليس له موسم كما يبدو، فكل المواسم مبرمجة على مثل هذه النشاطات، والثقافة للجميع هو الشعار الضمني المرافق للفعاليات الثقافية والأنشطة الأدبية، وهو الشعار الذي يتحسسه المرء بشكل مباشر، ويتفاعل معه من باب التبادل المعرفي، بالمشاركة أم بالحضور أم بالمتابعة، وهو أمر يشيع جواً صحياً يجب أن نقتفيه ونتابعه أولاً بأول.
ليس جديداً أن يمر كبار الأدباء والمثقفين والفنانين في هذا البلد الذي يواكب العلم والمعرفة على قدم وساق، وليس جديداً أن تنهض الإمارات هذه النهضة المتحضرة، لترافق الإنسانية وهي تطوي المسافات، لتصل إلى غد أكثر بقاء وديمومة وإشراقاً..
التفعيل الثقافي في الإمارات حالة من حالات الوعي المبكر لإنشاء علاقة بين الإنسان وثقافته، وبالتالي مستقبله، ومثل هذا النشاط الساري بفعالية متميزة، يكشف الوجه القادم للجيل الإماراتي القادم، وهو يتأسس على وعي مبكر بدور الثقافة في الحياة وأهميتها القصوى في تثوير طاقاته الذهنية والفكرية..
هذه الكرنفالات الثقافية المختلفة، وهي تبني وتؤسس، لا تستعير وجهاً آخر غير وجهها المحلي، ولكن بأفق إنساني متفتح على الآخر..
تحية إلى دبي ... الثقافية وهي تسابق الزمن وتصنع المعجزة الثقافية حقاً..