أحتفظ في زوايا مكتبتي بعدد كبير من قوائم المطبوعات وفهارس الكتب منذ نشأة الطباعة في العراق عام 1856. ومنها فهرس (عبدالجبار عبدالرحمن) المؤلف من عدة أجزاء، أفتش بين مصنفاتها عن نبوءة تتكشف وراء عنوان كتاب مطبوع، منسوب إلى مؤلف مغمور، ومطبعة مجهولة، ومرمّز بالحرفين د.ت (دون تاريخ )، انتقل من حيازة شخص إلى آخر حتى آل إلى رفّ نام عليه نومة الأبد.

لا يشير التعريف المبهم إلى محتوى خاص، لكن مجهولية الكتاب تنبئ بمضمون ينتقل (دون تاريخ) من حقبة إلى أخرى، حاملاً بين صفحاته مطالع كشف مغيب، وأجواء قراءة خانقة مشبعة ببخار الصموغ المنبعث من أروقة المكتبات ورفوف الكتب المصفحة بجلود سميكة، والمقفلة بإقفال حديدية.

أتخيل نفسي سائراً بين رفين شاهقين من خزانة كتب (الأب أنستاس الكرملي) أو ( كوركيس عواد) أو (حسين علي محفوظ) باحثاً عن نبوءة مستقبلي المفقودة في أقسام الكتب المصنفة تحت أبواب: الجمعيات السرية، والحروفيات، والطلاسم، والتواريخ الناقصة.

وحين أتشبع بهواء الصفحات الراكدة في الزوايا المظلمة، ويخيب أملي في العثور على كتاب النبوءة المفهرس في الكشاف الذي أهتدي به في يدي، يتسرب إلى رأسي دوار الأطراس المتفسخة، ولا يتخلف من نبوءتي إلا عنوان مبهم في فهرس العصور الخالية.

لا كتاب يطرّس نبوءتي، وقد استشرفها من حكايات الصالحين والزهاد والمسافرين وجامعي الكتب وحمالي الأسواق ووقادي الحمامات وأصحاب الأوهام (وبانتظاركم حكايتان لبورخس وكورتاثار) فلا أفوز بحرف صادق يبدد غازات الأزمنة البائدة التي تحول دون ظهورها وأسفارها، ويشير إلى موقعها الصحيح في فهارس الكتب. ولا يملك أحد من صرعى النبوءات المغيبة مفتاح المستقبل، وقد صار وجودنا على هذه الأرض المملوءة بالفهارس أشبه بعنوان وهمي بدون تاريخ.

هبط العمى على عيني بورخس مثل «غروب صيفي» عندما كان أميناً عاماً لمكتبة بوينس آيرس. بهره النظام المتكامل للكون المكتبي، النظير لكون المعجزات والنبوءات غير المفهرس في كتاب بشري، فلما خاب سعيه في الاهتداء إلى نبوءته بين آلاف الرفوف من الكتب المصنفة، سجل تجربته في عملين قصيرين (مكتبة بابل) و(كتاب الرمل).

آمن بورخس أن نبوءته لا يحتويها فهرس، أو أنها موجودة في فهرس كوني بلا عنوان تتكاثر صفحاته تكاثر حبات الرمل. وسرعان ما أدرك أن لغز الوجود العميق يختفي في كتاب الطبيعة الذي كان يتصفحه في ضباب بصره الغارب لكي يختار منه مجموعة حكايات خيالية قصيرة.

نقرأ في حكاية تتكون من سطرين، اختارها بورخس من أعمال الحكيم الصيني الطاوي (شوانج تسو) ما يلي: (حلم شوانج تسو بأنه فراشة، وحينما استيقظ لم يعد يعرف إذا ما كان تسو هو الذي حلم بأنه فراشة، أم أن فراشة هي التي كانت تحلم بأنها تسو).

فإذا حلمنا بحلم الطاوي المتبادل بين الحكيم والفراشة، فسيجمع كل كتاب حقيقي نبوءات الكتب الأخرى، وهذا هو حلم بورخس الأثير في أن يحتوي الفهرس الكوني عنواناً واحداً لعدد لانهائي من الكتب.

يخترع (طاغور) في قصيدة من ديوانه (الهاربة) كتاباً بحجم الجبال، تنحدر منها أعاجيب الخلق الهندية انحدار نهر الغانج : «هملايا جالسة وحيدة كعالم كبير يحمل على ركبتيه كتاباً قديماً مفتوحاً، فيه صفحات حجرية لا تُعدّ».

كتاب طاغور الحجري عالم قديم غير مفضوض رغم انفتاح صفحاته، وبخلاف الكتب المختومة والمغيبة فإنه يعرض نبوءته لمن يجيد قراءة صفحاته العديدة وينتظر ملاح النهر كي يأخذه إلى عالم الصمت، إذ كل نبوءة في كتاب طاغور مميتة، مثلما كل أغنية من أغانيه دعوة للرحيل وراء الأشياء المسماة والمفهرسة.

تنبأ خوليو كورتاثار بنهاية العالم المفهرس، وحول البحار إلى عجينة من الكتب، في قصته القصيرة (نهاية عالم النهاية). يفترض كورتاثار سلسلة من التحولات تنتهي باتصال القارات من عجينة الكتب الطافية على سطح المحيطات، ويتحول الكتبة المتزايدون إلى (شعاع محكوم عليه بالأفول) في نهاية النبوءة.

تبدأ النهاية بتحول القراء القلائل إلى كتبة في إحدى الجمهوريات، وتنشغل الآلات في المساء بطباعة أعمال الكتبة التي أنجزوها في الصباح، تجاوباً مع المواهب الهائلة المنتجة للكتب. وعندما تفوق المكتبات عدد المنازل، تقرر البلديات التضحية بالمساحات المخصصة لألعاب الأطفال، ثم تتنازل عن المسارح والحضانات والمقاصف والمشافي. ويستخدم الناس الفقراء الكتب بدلاً من الحجارة لبناء منازلهم التي تزحف من المدن إلى المزارع في الأرياف، ثم تصل المطبوعات إلى شواطئ البحر.

تقف الإنسانية عاجزة أمام تكدس الفائض المتعاظم على سواحل العالم قاطبة من إنتاج الكتب، فيقترح رئيس الجمهورية على رؤساء الجمهوريات الأخرى إلقاء الفائض إلى البحر لتوفير مساحات خالية من اليابسة للكتب الجديدة.

وهنا تحل النهاية المرتقبة، إذ تتكدس الكتب في الأعماق، على هيئة عجينة ورقية لاصقة، ترتفع يومياً عدة أمتار حتى تبلغ السطح، وتفيض المياه بعنف فتغمر اليابسة وتنتج توزيعاً جديداً للقارات، أو تتبخر بسرعة أو تمتزج المطبوعات فتعيق عجينتها حركة البواخر، ثم تعلق بها أخيراً وتتوقف على مسافات متباعدة في البحر.

يقرر الرؤساء والقباطنة استغلال البواخر المتوقفة وتحويلها إلى جزر وكازينوهات يأتي إليها الناس على الأقدام، يرقصون على أنغام الأوركسترا حتى الفجر، محاطين بجبال الكتب المكدسة على سواحل البحار القديمة، وبمئات الكتبة الذين تملؤهم البهجة لشرح هذه الظاهرة الكونية.

يستمرون في الكتابة حتى بعد نفاد الحبر وتوقف المصانع عن إنتاج الورق، ويتعاظم عددهم حتى بعد أفول شعاعهم المؤقت أمام البحر الناضب، فيما يستمر القباطنة ورؤساء الجمهوريات في احتفالاتهم الكبيرة وتبادل الرسائل عبر الجزر الورقية، حتى بعد نهاية العالم القديم.

mkhudayyir@yahoo.com