تحت رعاية صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان، افتتح مساء أمس الأول الشيخ الدكتور ماجد بن سعيد النعيمي رئيس الديوان الأميري بعجمان «الملتقى الأول لرواد الفكر والثقافة في الخليج والجزيرة العربية» الذي تنظمه دائرة الثقافة والإعلام في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، بحضور الوفود المشاركة في الملتقى ونخبة من المسؤولين والمثقفين والإعلاميين وحشد من الجماهير المواكبة للحراك الثقافي اللافت في الإمارة.
وبعد تلاوة آيات من الذكر الحكيم، ألقى إبراهيم سعيد الظاهري مدير عام دائرة الثقافة والإعلام بعجمان كلمة الدائرة، أكد فيها أن هذا الملتقى الذي تنظمه دائرة الثقافة في موسمها الجديد هو امتداد للعلاقات التاريخية والحميمية بين دول وشعوب منطقة الخليج والجزيرة العربية، وإطلالة على المشهد الثقافي والإبداعي في منطقة الخليج والجزيرة العربية، نحاول من خلاله أن نقدم لمسة وفاء وتقدير لأسماء ورموز خالدة كان لها الدور الكبير في النهضة الفكرية والتنويرية في المنطقة.وأوضح أن دائرة الثقافة والإعلام بعجمان ستولي في أجندتها المستقبلية اهتماما خاصا بالمبدعين في الخليج والجزيرة العربية بمختلف مدارسهم وبتنوع إسهاماتهم مما يخلق حالة من التواصل الثقافي المطلوب عبر الاستفادة من التجارب المختلفة والخبرات المتراكمة لأبناء الخليج والجزيرة العربية.
وأكد الظاهري أن الثقافة قادرة على خلق حالة خاصة من التمازج والتوحد والانطلاق وتعميق الروابط بين شعوب المنطقة، وأنها حصن دفاعنا الأخير عن هويتنا العربية والإسلامية في ظل انتشار ثقافة القطب الواحد، وسيطرة العولمة على جميع مناحي الحياة.
وأضاف إن هذا اللقاء المميز الذي يجمع المبدعين والمثقفين من أبناء دول مجلس التعاون ما هو إلا شاهد على هذا التوجه الصحيح في النظر إلى الثقافة، ولابد أن نشير هنا إلى تقديرنا وامتناننا للفتة الكريمة بتكريم رموز الثقافة والإبداع في دول الخليج العربي تقديرا لمنجزهم الفكري والأدبي، وحملهم رسالة التنوير والنهضة في دول مجلس التعاون وكان لهم الدور الكبير في دعم مرتكزات النهضة والتقدم ومحاربة الجهل والتخلف.
بعد هاتين الكلمتين عُرض أوبريت «عجمان الملتقى» وهو من كلمات الشاعر البحريني علي الشرقاوي جسد خلالها محتوى ومضمون الملتقى بكل ما فيه من مخزون ثقافي وأسماء ورموز في كافة مجالات الإبداع.. وصاحب الأوبريت صور من الفنون الشعبية والتراثية ومشاهد من إمارة عجمان تحكي نهضتها الاقتصادية والعمرانية والثقافية، ومشاهد من المناسبات والمهرجانات الأدبية الخليجية.
ملامح النشأة والموهبة
بدأت الجلسة الأولى التي أدارها الإعلامي والأديب عبد القادر عقيل، بورقة الباحث الإماراتي علي محمد المطروشي، مدير متحف عجمان، تناول فيها مسيرة الشاعر المرحوم حمد بن خليفة بوشهاب، مسلطاً الضوء على ملامح الحقبة الأولى من حياته، منذ مولده عام 1932 في عجمان مروراً بمرحلة شبابه وما شهده من حركة شعرية في الإمارة، ومن التقى بهم وعاصرهم من شعراء النبط والفصيح..
وانتهاء بسفره إلى الكويت ولقاءاته بشعراء ومثقفين عرب وخليجيين، وعودته إلى بلاده لتبدأ الحقبة الثانية من حياة الشاعر بوشهاب مع قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وظهور المؤسسات الإعلامية الحديثة ممثلة في وزارة الإعلام والثقافة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، مما لعب دوراً مهماً في تألق نجم الشاعر وبروز موهبته الشعرية على نطاق واسع ووصول إنتاجه إلى المشاهدين والقراء.
وتحدث المطروشي عن الجهد الكبير الذي بذله بوشهاب في تحقيق ونشر عدد من الدواوين لشعراء محليين، متوجاً ذلك بنشر ديوان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وديوان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.. إضافة إلى دوره اللافت في انتقاء واختيار الأشعار التي كانت تنشر في صحيفة «البيان»، خاصة لشاعرات من الإمارات بأسماء مستعارة.
وفي ختام ورقته أكد الباحث المطروشي أن هناك الكثير من كتب الشاعر حمد بوشهاب لم يتم نشرها بعد، ومنها مذكراته الشخصية، ومشاهير شعراء الإمارات، وإطلالة على الماضي، وغيرها.. آملاً أن تجد طريقها إلى النور.
مئوية الجاسر
الورقة الثانية التي قدمها الدكتور عبد الله الصالح العثيمين، الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية، حملت عنوان « الشيخ حمد الجاسر موسوعياً معرفة وعطاء فكرياً» تحدث فيها العثيمين عن مولد العلامة ونشأته، وحياته العملية الحكومية وغير الحكومية، ومن ثم عن عطائه الفكري ومكانته وتقديره..
ولكن من الصدف الجميلة أن يكون هذا الملتقى عن العلامة حمد الجاسر وغيره من الرواد متزامناً مع مرور مئة عام هجري على مولده، فمع إطلالة فجر يوم من أيام ذلك العام( 1328 ه/ 1910 ) أطل على الدنيا وجه مولود لأسرة قدر عليها رزقها، تعمل في الزراعة القائمة على وسائل بدائية في قرية يربطها بالبداوة ما يربط من صفات ووشائج..
وبين إطلالة ذلك المولود على الدنيا في قريته تلك، وموافاة الأجل له على مسرح العملية الجراحية التي أجريت له في مدينة هيوستن الأمريكية، بعد أكثر من تسعين عاماً من تلك الإطلالة، مسيرة حافلة بضروب شتى من المعاناة والتحصيل العلمي والعطاء الفكري الموسوعي الرائد.
فقد اتسم الشيخ حمد بصفات ذاتية فريدة، أهلته ليصبح ذا معرفة عظيمة، كقوة الذاكرة التي جعلته لا يحفظ الأشعار وحسب بل مقطوعات نثرية طويلة، ويحفظ أسماء من التقاهم عبر السنين ويحفظ عناوين الأمكنة وأرقامها.. وكان من صفاته أيضاً الصبر في سبيل الوصول إلى الهدف العلمي.
والعشق غير المحدود للقراءة والتدوين، وكان ذلك العشق أقوى من أن يحد ما كان عليه من ضعف بصر لازمه أكثر من خمسين سنة، حيث تجاوز ما دونه من كتب ومقالات وتعليقات ألفاً وخمسمائة عمل، إضافة لتأسيسه صحيفة الرياض اليومية ومجلة اليمامة الأسبوعية، ومن ثم تأسيسه لشركة طباعة عام 1954 أسهمت في تحريك النشاط الثقافي، وفتحت الباب لإنشاء مطابع أخرى.. واختياره عضوا في المجمع العربي العلمي بدمشق، والمجمع العلمي العراقي.
ومجمع اللغة العربية في القاهرة وفي الأردن. وكان عضواً في مؤسسة آل البيت التي تعنى بالحضارة العربية، إضافة إلى عضويته في مراكز ومؤسسات علمية أخرى، وتكريمه وحصوله على جوائز وشهادات تقدير من أغلب المؤسسات في الوطن العربي.
شاعر التجربة
الدكتور معجب الزهراني من السعودية، ألِف الكتابة عن الشاعر قاسم حداد، وأصبحت إحدى رهاناته المفضلة منذ مغامرته الأولى باتجاه شعره.. وحينا يجد في الرهان مشقة قنص الحجل أعالي جبال السروات، وحينا آخر يحسبه نزهة حرة على سيف تزينه النوارس بظلالها وأحلامنا..
هذا يعني أن الكتابة تظل جذابة حد الفتنة في المقامين، وهي كذلك لأنها ممارسة معرفية تتحدى الذهن وتستفز الحواس وتنشط المخيلة، وتقبل التحول في أية لحظة إلى لعبة حرة مرحة ممتعة.. جهد شاق لكن مردوده وافر سواء توجه للنص الواحد أو للمجموعة الشعرية المفردة أو للتجربة في مجملها،، وقاسم حداد: شاعر التجربة النوعية واللغة المشعة.
يرى د. معجب أن قاسم حداد يعد من رواد الشعرية الحديثة في منطقة الخليج بالأمس، ولعله أبرز ممثليها ورموزها اليوم، ومع كون منتجاته التي تتوالى متجددة منذ ثلاثة عقود، تظل موزعة بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، إلا أنها تتمرد على التسميات المحددة والتصنيفات الواضحة كأي تجربة استثنائية، فالكتابة الإبداعية عند حداد لا تتصل إلا كسلسلة من المغامرات التي تجترح مسارات جديدة تخصها وتميزها في مستويات اللغة والإيقاع والتشكيل البصري وبناء الموضوعات ورؤية الذات لأشياء العالم وكائناته..
وهذه ليست مسيرة عمل تراكمي عادي، بل سيرورة تشكل وتحول أفضت إلى تجربة شعرية غنية، ما أن نقرأها في مجملها حتى نتبين أمرين مختلفين ومتناغمين في الآن ذاته، أولهما أن الشاعر يبدو منشغلا دائماً بالبحث الدائب عن أفق جمالي جديد يتيح له تحرير طاقاته الخلاقة لتشخص قدراته على المشاركة الفعالة في إثراء الخطاب الشعري العربي، ليندمج في الشعرية الكونية الراهنة، وبضيف إليها ما يليق به وينتظر كرافد بعيد الجذور في الزمان والمكان.
فمن يعي أن شجرة أنسابه تمتد من امرئ القيس وطرفة والحلاج والمتنبي وأبي نواس .. وصولا إلى السياب وأدونيس، لا يعود مستغرباً من أن يطمح إلى أن يكون شاعراً كونياً يطل على شعريات العالم ويحضر فيها صوتاً متفرداً لا منفرداً.
الأمر الثاني هو أن الهاجس الجمالي الخاص بالذات المبدعة يظل مبطناً ومردوفاً دائماً بهاجس ثقافي اجتماعي عام يقرب الشاعر وشعره من أحلام المتلقين وطموحاتهم كذوات إنسانية تعيش في واقع تاريخي دنيوي يراد له التحرر من كل الشروط التي تعطل طاقات الكائن وتؤجل حقوقه في الحب والحرية والكرامة والعدالة والسعادة.. وبصيغة أكثر اختزالا ودقة - يقول الزهراني - إن الشعر عند قاسم حداد فعل إبداعي لغوي أدبي، وفعل حضوري معرفي فكري، وفعل تحريض اجتماعي إنساني..
الجلسة الثانية
احتوت الجلسة الثانية والتي أدارها أيضاً الأديب والإعلامي عبد القادر عقيل على أربع أوراق بحثية، قدم الورقة الأولى الباحث محسن بن حمد الكندي من سلطنة عمان، تحدث فيها عن الأديب عبد الله الطائي وريادة الكتابة الأدبية العمانية الحديثة، مسلطاً الضوء على حياته ومسيرته الإبداعية، والظروف المحيطة به والتي ساهمت في كونه مفكراً وأديباً متنوعاً، كتب الشعر والقصة والرواية والمقالات النقدية والسيرة الذاتية والرسائل والمسرح، إضافة إلى الدراسات الأدبية والتاريخية.
وأشار الكندي إلى أنه من خلال هذا التنوع والثراء يمكن الوقوف على سمة بارزة ميزت حياة الطائي وهي أن شخصيته وسائر أنماط أدبه تكون رؤية فكرية واحدة وهي الحديث عن الوطن وقضايا الأمة، ويبدو أدبه أشبه بسجل كامل عما مر به العالم العربي من أحداث.
الشاعر البحريني عبد الله خليفة قدم الورقة الثانية عن غزليات محمد بن عبد الوهاب الفيحاني، عرض فيها لنماذج من أشعاره، معتبراً إياه رابع شاعر في الخليج، حيث كان محسن الهزاني 1160 هـ الشاعر الأول ثم بعد خمسين سنة جاء محمد بن العبون عام 1205هـ وأسس لما يسمى بالعبونيات ، ومن ثم عبد الله الفرج عام 1252هـ ن ليأتي بعد ست سنوات الشاعر الفيحاني مجدداً للشعر النبطي من حيث إضافة العبارات والمفردات الجديدة والاستعارات، دامجاً من حيث الموضوعات والرؤيا بين البيئة البحرية والصحراوية.
وأوضح خليفة أن أعمال الشاعر بحاجة ماسة للبحث والتدوين لأنها مازالت على لسان الرواة ومحفوظة في الذاكرة الشفوية، وأكد أن قصائد الشاعر الغزلية تعرضت لسلطة القبيلة، حيث كان يحب ابنة خالته «مي» ولأنه تغزل بها فقد حرم الزواج منها ليتزوجها ابن عمها.
وهكذا ظل يعاني هذا العشق طيلة حياته، ولاقت الكثير من قصائده محاربة قديماً وحديثاً، فحتى ديوانه الوحيد حين تمت إعادة طباعته حذفت منه الكثير من القصائد الغزلية، وحين أعيدت طباعته عام 2005 في قطر، تم حذف القصائد التي كان يهجو بها من عارض عشقه لمي، ولذلك دعا الشاعر خليفة إلى إعادة النظر في البحث في حياة هذا الشاعر وأعماله.
الورقة الثالثة عن عبد العزيز حسين كعلم من أعلام الفكر والسياسة والثقافة، قدمها الناقد عبد الله خلف، ألقى من خلالها الضوء على جوانب مهمة من شخصية المفكر الكويتي عبد العزيز حسين مبيناً المراحل التي مر بها والاهتمامات الفكرية والعلمية والتربوية التي طورها وارتقى بها حتى صار في مجتمعه رمزاً من رموز الفكر والسياسة.
وأوضح خلف أن العلامة حسين كان رجل دولة أيضاً خدم في مجالات عديدة، بدأها في التعليم والأشراف على البعثات العلمية ومشاركة الطلبة سعيهم للعمل وحياتهم وسفرهم وترحالهم بكل تواضع ومحبة.. مشيراً إلى طموحه ووصوله إلى مناصب قيادية في الوزارات، ورئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وكان له الفضل في إنشاء معرض الكتاب في الكويت، إضافة إلى الإصدارات الثقافية، كعالم المعرفة وعالم الفكر والثقافة العالمية وسلسلة المسرح العالمي وإبداعات ثقافية.
البردوني إرادة الإبداع والتحدي.. النشأة والريادة والتجديد .. عنوان الورقة الأخيرة التي قدمها الباحث اليمني عبد الباري طاهر، تناول فيها نشأة البردوني منذ طفولته وأصابته بمرض في الخامسة أفقده البصر إلى مراحل دراسته الأولى وبداية تلمسه للشعر وعشقه للغة وسط شعراء معاصرين شجعوه على المضي قدماً.
ومنهم الشاعر محمود حسن اسماعيل، ومن ثم تطرق الباري إلى بداياته الشعرية وتميزه ليصل إلى القدرة على التجديد والأخذ بالقصيدة العمودية إلى حداثة خاصة به، من خلال خصائص فنية كالقص والحوار والسخرية وحدة الصورة وخلق الترابط العضوي بين أبياتها من خلال تناسق وانتظام البنية اللغوية والإيقاع الصوتي، وكسر حدة الرتابة بكسر حدة الدلالات اللغوية، وبناء صورة لا تمت بصلة إلى الذاكرة الشعرية والقوالب الجاهزة.
ويرى النقاد أن البردوني امتلك خصوصيته الموضوعية من الجسارة ما قاده إلى جسارة مماثلة في الخصوصية الفنية، ويرجع الناقد عبد العزيز المقالح شاعرية البردوني إلى مضامينه الثورية والرؤية المتقدمة، وليس تجاوزه للمعارف التقليدية، ولا تمرده على القوالب المتوارثة، ولو أن البردوني قد اقتصر على تلك التجديدات الفنية، وحصر همه في أن يجعل من القصيدة البيتية أو العمودية حدثاً فنياً مواكباً لعصره، لما أصبح شاعراً كبيراً حقاً.
عجمان ـ محمود أبوحامد

