أغلب الذين تخصصوا في مجالات الفنون الجميلة والآداب تخرجوا من كليات وأكاديميات من خارج الدولة إذ غابت عن الساحة الفنية والثقافية الصروح العلمية الأكاديمية المعنية بذلك.

وبالتالي غابت الحياة النقدية وغاب معها الحوار العلمي المتخصص..الفنانون والأدباء هنا في الإمارات وجدوا ضالتهم في التعاطي مع القيم العلمية للنقد في تلك المجالات عن طريق عدد من المثقفين والفنانين العرب الذين تفاعلوا مع معطيات الساحة الفنية والأدبية.. لكن تبقى هذه الفئة قليلة ويخيم النقد الانطباعي على معظم المناخ الأدبي والفني.البعثات والمنح التي تتبناها مؤسسات التعليم العالي في الدولة ركزت في السنوات الأخيرة على التخصصات العلمية البعيدة عن مجالات الفنون الجميلة، فيما غاب وجود الكليات والمعاهد المحلية، إلا نفر قليل من الدارسين الذين قرروا تكريس حياتهم العلمية لبعض جوانب من الفنون، فكانت اجتهادات ورغبات فردية.ومع الاستراتيجية الجديدة التي وضعتها الحكومة مؤخراً وتتجه تتطلعاتها إلى تأصيل الحياة الثقافية وجعلها من الممارسات اليومية في حياة الفرد، ومع التوجه نحو بناء قواعدها وأساساتها انطلقت العديد من البرامج لاحتضان واحتواء المبدعين والأدباء..

كما ان أجندة الحكومة ممتلئة بتلك المشاريع التي تستهدف الاستثمار في الطاقات الإبداعية الخلاقة على اعتبار ان الحضارة الإنسانية هي محصلة علاقة الإنسان بالجمال والفكر.وجود النخبة والتأصيل للحوار الأكاديمي البناء وجه آخر يؤصل للنقد العلمي ومسايرة ومجاراة الإبداع الإنساني بوجهيه الفني والأدبي بالمنهج بالعلمي يعني التأسيس على أرضية صلبة.مؤخراً وضمن خطة دبي الاستراتيجية التي تمتد إلى العام 2015 والتي أولت البعد الثقافي والفني اهتماماً كبيراً ضمن توجهاتها لتعزيز وتطوير الحركة الفكرية والفنية والأدبية، أعلنت هيئة المعرفة والتنمية البشرية ضمن برنامجها «اعداد» عن ايفاد مجموعة واسعة من المواطنين والمواطنات للدراسة خارج الدولة في برامج الدراسات العليا وضمن التخصصات الفنية والفكرية والأدبية.

وذلك عن طريق مجموعة من المنح تمنح للراغبين في التحصيل العلمي في فروع الفنون الجميلة والأدبية والفكرية..هذه الخطوة الكبيرة تعتبر واحدة من ضمن مجاذيف الدفع بعجلة التنمية الثقافية ورفد الساحة الثقافية والفنية بالأصوات الأكاديمية المؤسسة، الأمر الذي يعني تأسيس قاعدة للتعاطي الأكاديمي وبالتالي وضع النقد العلمي وتوفيره على أرصفة الحياة الثقافية المحلية وناتجها بلا شك سيحيل إلى مزيد من الأحلام والطموحات..

تخصصات لابد منها..

بلال البدور وكيل وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع للشؤون الثقافية علق على الخبر قائلاً: الإعلان الذي تم قبل أشهر حول مؤسسة الشيخ محمد بن راشد لدعم البحوث في العالم العربي يعد إحدى المبادرات التي تمثل رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بأهمية العلم والمعرفة، وفي ظل التوجه العام للاستراتيجية العامة للدولة واستراتيجية حكومة دبي التي تركز على العنصر البشري وإعداده تأتي هذه المبادرة من برنامج إعداد لتترجم هذا التوجه بيانا عمليا لإعداد أبناء الإمارات.. وإذا كانت الجامعات والبعثات العلمية تفتح أبوابها لجميع التخصصات التي تحتاجها الدولة، فإن التركيز على جانب الثقافة يعتبر عنصراً أساسا في بناء المجتمع.

ويضيف البدور: دولة الإمارات قطعت شوطاً في مجال رعاية وتأمين التحصيل العلمي والمعرفي لأبنائها لكن تبقى هناك تخصصات لابد من التركيز عليها تمثل حاجة أساس للمؤسسات الثقافية.

استشعار أهمية الثقافة

ناجي الحاي وكيل الوزارة المساعد للتنمية الاجتماعية بوزارة الشؤون الاجتماعية أشار من جانبه إلى ان تكريس الابتعاث من اجل التحصيل العلمي في مجالات الفنون والآداب يعكس اهتمام الحكومة بضرورة التحول من الهواية إلى العمل الأكاديمي وما من شك ان هذا التوجه سينعكس بالإيجاب على العمل الثقافي والحياة الثقافية في الإمارات وسيوفر فرصة غنية للشباب للانخراط في الحوار الثقافي والإبداعي المؤسس على النظرية العلمية في مجالات الفنون الجميلة والآداب بمختلف فروعه..

ويضيف الحاي: الجانب الثقافي ولسنوات طويلة بقى خارج دائرة الاهتمام المباشر لكن الآن تم استشعار مسألة أهمية الدور الثقافي في بناء المجتمع وتأسيس الفرد، والاستراتيجية الجديدة للدولة تولي هذا الجانب الاهتمام الأكبر وهذا يعزز مسألة الانتماء الثقافي المحلي والعربي والإسلامي.

بناء القاعدة أولاً..

الدكتورة ابتسام الكتبي ترى ان اطلاق مشروع اعداد لمنح دراسية واسعة في مجالات الفنون والآداب خطوة واجبة ومستحقة منذ سنوات طويلة، وكونها تأتي في هذا الوقت فإنها تفتح فرصاً ومجالات لصقل الموهبة بالعلم.. لكنها تشير إلى مسألة أخرى ترى أنها الأجدر بالاهتمام لجعل التعاطي مع الفنون الجميلة في صميم الحياة اليومية للمجتمع، وتقول:

المشكلة العامة التي نعاني منها في الحياة الثقافية هي انحسار الجمهور، والذوق العام انحسر إلى أمور أخرى غير الثقافي والفني، لهذا تعاني المحاضرة والأمسية ويعاني المعرض التشكيلي من غياب الجمهور على شقيه النوعي والعام..وإذا كنا ننوي فتح مجالات المنح الدراسية في الفنون الجميلة والآداب، فالأولى أيضا ان نعود إلى بناء القاعدة الأولى في المدارس وان يكون للنشاط الإبداعي أهمية وأولولية في مسألة الاهتمام والرعاية.. وان تنشط حركة التأسيس لمراكز الفنون بأنواعها.

وأضافت: إن الفرد اليوم يتعرض لهجمة شرسة من ثقافة الاستهلاك، هناك غزو بالوسائل التقنية الحديثة يحاصر العقول والاهتمامات ولهذا لابد من توسيع دور حاضنات الثقافة الجمالية وإدارتها بالشكل والأسلوب الذي من خلاله يمكن توفير مناخات ملائمة لنمو الطاقات والمهارات والمواهب..التأسيس في القاعدة أولاً ومن ثم الابتعاث.

رفع مستوى الذائقة الجمالية

المسرحي عبدالله صالح قال من جانبه: بلا شك ان ابتعاث الموهوبين في مجالات الفنون الجميلة والآداب وفتح فرص الدراسة الأكاديمية سيوفر نخبة من الأصوات قادرة على التأثير في الحياة الثقافية، وهذا التأثير سيسهم بدوره في رفع مستوى الذائقة الفنية وزيادة الوعي.. هناك طاقات خلاقة كثيرة البلد، وهناك فنانون يأملون في ان يؤمن لهم فنهم حياة كريمة.. وفتح المجال أمامهم سواء بالدراسة أو توفير فرص العمل سيفعل الحياة الثقافية والفنية..

مواجهة تيار الاستهلاك

الدكتور شهاب الغانم أشاد بخطوة برنامج إعداد في تبني رعاية منح دراسية في مجالات الفنون والآداب وقال من جانبه: الاهتمام بالثقافة والأدب شيء أساس للقفز بالمجتمع إلى مستوى اعلى في التعاطي مع الإبداعات الجمالية، بالمجتمع دون مبدعين ومفكرين أدباء لا يحقق نهضة إنسانية متكاملة، مجتمعنا في الامارات حقق قفزات نوعية في البناء الاجتماعي والاقتصادي لكننا اليوم نواجه أزمة امة تمر بمرحلة حرجة في التاريخ ونحن هنا جزء من هذه الأمة، اليوم اختلطت علينا المفاهيم.

ومن خلال الفكر والرؤية الواضحة وتنمية الطاقات الخلاقة في الإنسان في مجالات الأدب والفن يتحقق التوازن الطبيعي للإنسان وبالتالي المجتمع.. وإذا ما كنا نواجه اليوم تيار الاستهلاك والتحول إلى استهلاكيين بفضل قوى العولمة المادية فإن العودة إلى الأسس الأصيلة والرهان على الإنسان وإبداعاته الفكرية هو بر الأمان الذي يحفظ للانسان قيمه وتوازنه الطبيعي..

ويضيف د.غانم ان تكريس المنح الدراسية ورعايتها من قبل المؤسسات الحكومية سيوفر بعداً مهماً في مسألة بناء نهضة المجتمع وهذا جانب مهم جداً.

تحقيق: مرعي الحليان