أثارت مذكرات الروائي والشاعر الألماني الكبير والحائز على جائزة نوبل للآداب غونتر غراس منذ صدورها وحتى الآن زوبعة في الاوساط السياسية والثقافية الالمانية والأوروبية نظراً للمكانة الرفيعة التي يحتلها صاحب «الطبل الصفيح» في المشهد الثقافي والسياسي الألماني، أحد الوجوه الثقافية للحزب الاشتراكي الديمقراطي رغم استقالته من هذا الحزب (استقال غراس من الحزب عام 1992 لاسباب خاصة) وهو أهم وأكبر الاحزاب الالمانية على الاطلاق.

وقبل صدور مذكراته «خلال تقشير البصل» اعترف غونتر غراس في حوار أجرته معه صحيفة «فرانكفورت الغماينة تسايتونغ» أنه التحق طواعية في سن الخامسة عشرة بشبيبة هتلر. وفي سن السابعة عشرة استدعي للعمل ضمن فرقة الوحدات النازية الخاصة وارتدى زيها.

يذكر أن هذه الوحدات كانت بمثابة جهاز الحرس الخاص الذي يتولى حماية أدولف هتلر وكبار قادة الحزب النازي ونسبت لها أعمال وحشية. وقد تم حظرها بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية وسقوط النازية كما أدينت رسميا بأنها «منظمة إجرامية» وذلك في ما عرف بمحاكمات «نورنبيرغ».

وتابع غراس: بأن اعترافه الآن يمثل أحد الأسباب التي دفعته إلى كتابة مذكرته، مشيرا إلى أنه لم يستطع الصمت أكثر. وذكر أنه لم يُعلم أحداً بتلك الحقبة قبل اعترافه سوى زوجته وقلة قليلة من أصدقائه المقربين. واعتبر كتابه الجديد بمثابة فرصة للحديث عن عضويته في الوحدة النازية وكذلك عن طريقة التحاق الشباب بتلك الفرقة. كما اعتبر نفسه ساذجا حينها كونه انجر وراء شعارات الايدولوجيا النازية.

وأوضح أنه لم يعد يتذكر تصرفاته آنذاك في تلك السنوات المبكرة من عمره، لكنه أكد أنه لم يرتكب أي أعمال إجرامية ولم يطلق الرصاص على أحد قط.

اعتراف غراس شكل صدمة كبيرة في المانيا لانه الاديب الذي لطالما روج مقولة «الاديب ضمير الشعب النابض» ولمواقفه النقدية اللاذعة للحقبة النازية وجرائمها. ولمكانته السياسية البارزة حيث دخل غونتر غراس ميادين السياسة في بداية الستينات حيث تعرف على المستشار الألماني السابق فيللي براندت عندما كان رئيسا لبلدية برلين.

وشارك بشكل فاعل بدعم الحملة الانتخابية للحزب الاشتراكي الديمقراطي في 1965، 1969 وعام 1972. ولم يتردد يوما في إعلان تعاطفه الكامل مع الاشتراكيين الديمقراطيين، لكنه لم يكن عضوا رسميا في الحزب الا في عامي 1982/1983 فقط.

عرف عنه مواقفه المعارضة جدا للحرب على العراق، الأمر الذي قربه إلى المستشار غيرهارد شرودر حيث جمعت بين الاثنين صداقه قوية أشار إليها الطرفان بفخر واعتزاز في كل مقام ومقال. ففي مقالات عدة له وجه انتقادات لاذعة للسياسة الأميركية في العالم متسائلا: «هل هذه هي الولايات المتحدة التي نحتفظ لها نحن الألمان بذكرى طيبة ولأسباب عديدة؟ البلد الذي مّول بسخاء مشروع مارشال لإعادة بناء ألمانيا الغربية».

وأشار غراس دوما الى أن الألمان ليسوا الوحيدين الذين يلاحظون كيف بهتت هذه الصورة للولايات المتحدة عبر السنين حتى غدت حلما أو صورة مشتهاة، والآن قد تحولت الى صورة مشوهة.

* ولكن كيف ينظر الكاتب العربي الى اعتراف غونتر غراس؟

الروائي المصري المقيم في امستردام رؤوف مسعد يقول:

أن يعترف كاتب بحجم غونتر غراس بأشياء من ماضيه (مهما كان هذا الماضي مؤلما بالنظر اليه الآن) فهذه شجاعة نادرة لا تجدها كثيراً في الغرب ولن تجدها اطلاقا في الشرق العربي!

* فلنسأل انفسنا: ألم يكن مبدأ «النازية» الهتلرية مقبولاً اوروبياً وغربياً وحتى على مستوى الفاتيكان ايامها؟ أي قبل ان تتصارع المانيا النازية مع اوروبا الاستعمارية على المستعمرات وتقسيم الثروات في العالم؟

* ألم يوقع ستالين الشيوعي معاهدة عدم اعتداء مع المانيا النازية.. المعاهدة التي نقضها هتلر؟!

واي شاب في سن غونتر غراس وقتها.. اليس من الطبيعي تماما ان يحب وطنه الذي هضم الآخر ووطنه في معاهدة فرساي.. ألمانيا القيصرية التي خسرت الحرب العالمية الأولى.. اليس من حقه ان ينضم الى «جيش بلده» لكي يدافع عن وطنه ويجعله وطنا يفخر به؟!

* السؤال الثالث: الم يكن التجنيد اجبارياً في اوروبا جميعها آنذاك؟

* السؤال الرابع: هل جهاز الكي جي بي السوفييتي كان ارحم من جهاز العاصفة ام مساوياً له في الغلاظة والعنف ؟

هل من حقنا ان نلوم الجندي الذي اجبروه على الحرب.. أم نلومه على فظاعات آلات الحرب في بلده ام نلوم الساسة والجنرالات الذين اشعلوا هذه الحرب؟

اعتبر ان غونتر غراس كاتب عظيم؛ ما قام به خلال الحرب يدخل في تاريخ سابق.. المهم التاريخ الحالي؛ اليس جراس معادياً للصهيونية ومؤيداً للحق الفلسطيني؟ اليس غراس محباً ومتفهماً للشعوب العربية والشعوب الأخرى التواقة الى الحرية؟!

الاجابة بالإيجاب لكل من يريد ان يكون منصفا!

أما المترجم والاعلامي المصري سمير جريس والمقيم في ألمانيا يرى المسألة من زاوية اخرى، إذ يقول:

خلال العقود الماضية شهدت ألمانيا نقاشات سياسية عديدة كان لغونتر غراس فيها رأي، وكان لرأيه وزن. ترى كيف كان الألمان سيتلقون خطبه الأخلاقية المُحذرة لو كانوا يعرفون أنها صادرة عن رجل كان جندياً في منظمة إجرامية (أو بلغة هذه الأيام: «منظمة إرهابية»)؟ لا ينسى قراء غراس ـ أصدقاؤه وخصومه ـ مواقفه الحادة في فضح جرائم النازية. كما يتذكرون الجدل العنيف الذي اندلع في ألمانيا عام 1985.

آنذاك زار المستشار الأسبق هلموت كول مع الرئيس الأميركي رونالد ريغان مقابر الجنود الألمان في بيتبورغ. هاجم عدد كبير من مثقفي اليسار الزعيمين المحافظين، وكان أعلاهم صوتاً هو قارع «الطبل الصفيح». أما السبب فهو أن المقابر تحوي رفات جنود فرق «الإس إس».

هاجم غراس ما أسماه «تسلقاً للتاريخ»، واعتبر الزيارة مهينة لمشاعر اليهود والأميركان والألمان ـ لكنه لم يذكر كلمة واحدة عن أن الراقدين تحت التراب كانوا رفاقه في الجندية. صمتَ غراس اليساري عن ماضيه، وعلا صوته بانتقاد زعماء اليمين. مَن نصفه هنا بالتسلق؟

هذا هو الاتهام الذي يواجهه صاحب «مشية السرطان» من عدد كبير من المثقفين. «السلطة الأخلاقية» التي طالما انتقدت صمت الآخرين تناسيهم لماضيهم، تصمت إذا تعلق الأمر بالذات. أليس هذا ـ أيضاً ـ كيلاً بمكيالين، لن تفقد روايات غراس شيئاً من قيمتها الأدبية. وستظل «الطبل الصفيح» واحدة من الروايات الكبرى في الأدب العالمي. ولكن غراس فقد الكثير من سلطته الأخلاقية.

الشاعر والناشر العراقي خالد المعالي والذي نشر عدداً من روايات غراس المترجمة الى العربية يقول:

الموضوعة المُثارة هنا في ألمانيا، تثار عادة مع كل كتاب ينشره غراس، معه أو ضده، وهو خلال الأربعين عاماً الماضية كان لستِ مرات موضوع غلاف لمجلة ألمانيا الأولى «دير شبيغل»، وهو كاتب ابن لغته ومجتمعه وعصره، وكتاباته الأدبية والسياسية ورسوماته وحياته بكل تفاصيلها جزء من الفترة التي يعيش فيها وشاهدة حية عليها.

إيسن/ألمانيا ـ مروان علي