يتنافس الأسبوع المقبل على مسرح شاطئ الراحة في أبو ظبي ستة شعراء عرب للحصول على لقب «أمير الشعراء» ومكافأة مالية تبلغ مليون درهم إماراتي، في المسابقة الشعرية التي تنظمها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وسيخرج منذ بداية الحلقة التلفزيونية القادمة التي تحمل عنوان «أمير الشعراء» وتبث من قناة أبو ظبي؛ أحد الشعراء بتصويت الجمهور، لتظهر نتائج الخمسة الأوائل يتقدمهم أمير الشعراء الجديد، أما الشعراء الستة الذين سيتنافسون على اللقب بتزكية أصوات الجمهور ونسبة لجنة التحكيم التي حصلوا عليها، فهم:

كريم معتوق من الإمارات - الحاصل على أكبر نسبة من لجنة التحكيم 4 ,47%- حازم التميمي من العراق، جاسم الصحيح من السعودية، روضة الحاج من السودان، محمد ولد الطالب من موريتانيا، وتميم البرغوثي من فلسطين الذي التحق بالشعراء السابقين بعد إزاحته لمنافسيه من الحلقة الماضية وحصوله على أكبر نسبة تصويت، في حلقة أمس الأول، وسيكون على الشعراء الستة تقديم قصيدة رئيسية وأخرى «مرتجلة» يحدد موضوعها في حينها.بدأت حلقة أول من أمس؛ باختيار الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي الذي انضم مباشرة إلى زملائه الخمسة، وجاء ترشح البرغوثي بعد أن أزاح تصويت الجمهور الشاعر محمد المهري وهاجر البريكي من عمان، ليدخل في منافسة صعبة مع الشاعرة الإماراتية هدى السعدي، التي تجاوزها بفارق من أصوات الجمهور.

حيث نال ما نسبته 6, 45% من أصوات الجمهور التي تبلغ 50 درجة، وقد كان البرغوثي أول من ألقى الشعر بقصيدة رئيسية بعنوان «أمر طبيعي»استخدم فيها ذات أسلوبه الذي يجمع بين الشعر العمودي والتفعيلة، فبدأ بقافية رائية تحمل وجداناً متمرداً على الواقع العربي، فكان تعليق عضو لجنة التحكيم على القصيدة بقوله:

لقد قلب البرغوثي أسلوب المقامة رأساً على عقب، حيث ابتدأ بالشعر وانتهى بالسرد، وقال عنها صلاح فضل: قدم الشاعر أسلوبا شعريا جميلا بصورة كلية فاتنة، أما في قصيدته الثانية التي يصف بها رحلته في أمير الشعراء، فجاءت بإيحاء مباشر إلى الجمهور باعتباره هو صاحب الشعر والحرف والقصيدة.

وبوهج عرفاني يتألق في روح القصيدة، استطاع الشاعر السعودي جاسم الصحيح توظيف صور معاصرة بشكل عمودي خليلي في قصيدته «ما وراء حنجرة المغني» فعلق عليها بن تميم قائلاً: القصيدة تحمل رفضاً للهوية الجامدة التي تقوم على التفسير الإيديولوجي في العلاقات الإنسانية، بينما رأى فيها الناقد نايف الرشدان «قصيدة مائجة توظف الصورة بإذهال» .

وفي القصيدة الثانية لم يخرج «الصحيح» عن مساره الشعري الذي عُرف به من كونه يغازل المفردات والأمكنة بوحي الشاعر والعالم العرفاني الذي ينهل من منبع المكان المقدس «أرض الحجاز» بترنيمة اشتغل عليها بصور عذبة، وكان عنوان قصيدته «رحلة حج شعرية» كواحدة من القصائد التي تستحق الوقوف عندها كنموذج للتأثير المكاني والنفسي الذي يحيط بحياة الشاعر، وكان تعليق صلاح فضل الطريف على القصيدة أحد التعليقات المميزة حين قال: لقد كانت قصيدة جسورة حين عقد الشاعر إحرامه في ميقات «أبو ظبي» .

ثم قدم الشاعر العراقي حازم التميمي قصيدة وجدانية تنهل من أرض الشعر ومهد الحضارة الإنسانية أبدع صورها، ففي قصيدته «حسرة اللبلاب» وظف التميمي حكائية الحب وأسرار العشق السومري؛ توظيفاً فلسفياً يقوم على رؤية الحياة ومفردات أرض السواد من منظار غير مباشر ينتقل من الذات إلى الوطن والأرض والإنسان باعتباره وجعاً كلياً لا ينفصل عن الشاعر، فرأى فيها نايف الرشدان:

لغة شعرية متدفقة تحمل عشرات الصور، ونوّه صلاح فضل بالشاعر لأنه نهل من بلاغة الإمام علي «كرم الله وجهه» في عدة مقاطع من القصيدة، أما في قصيدته الثانية، فقد استخدم التميمي في قصيدته «ها أنت في محرابها تقف» أسلوباً شعرياً يختلف بالكلية عن أساليب الشعراء الآخرين، وهو أسلوب «الحوارية» بين الذات الشاعرة والمخاطب المجهول «إمارة الشعر» عبر نكهة غريبة تجمع بين الطرافة واللغة الشعرية المتينة، وهو ما دفع عبد الملك مرتاض لمدح الشاعر على أسلوبه الشعري الحواري.

أما الشاعرة السودانية روضة الحاج - التي أطلقت عليها لجنة التحكيم لقب «خنساء السودان» - فهي لم تخرج من محيط هواجسها الشعرية الدائبة البحث في الوجود الإنساني، فكانت «الأنثى» وحكاية الزمان «الشهرياري» الذي يبدو أن لا غروب له، هو مضمون قصيدتها «ضوء لأقبية السؤال».

حيث جاءت القصيدة مفعمة بالصور المتمردة على هذا الزمان، فقال عنها بن تميم «إن الشاعرة تقرر التاريخ وتكتبه؛ بدلاً من أن تكون ضحيته» بينما رأى عبد الملك بن مرتاض في النص «تصويراً رفيعاً بإيقاع رزين» ، وقدمت «روضة» قصيدتها الثانية التي وصفت بها رحلتها في أمير الشعراء بأسلوب شعري جميل، إلى أن أشادت بالفكرة والقائمين عليها حين وصلت إلى قولها «إلى أرض خير الناس عترة زايد»..

حيث أثنت على تجمع الشعراء العرب في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، فقال عنها نايف الرشدان «أن النص تجسيد لعلاقة الحلم بالواقع» بينما رأى فيها صلاح فضل «تكريسا شعريا جميلا لموهبة جميلة» .

مثلما أسلفنا في مقدمة الخبر؛ فإن الشاعر الإماراتي كريم معتوق حاز على أعلى نسبة درجات من لجنة التحكيم في هذه الحلقة، حيث قدم الشاعر قصيدة «ميمية» بعنوان «نسب الحروف» فيها من الحداثة في الموضوع ما دفعها لتكون أفضل قصائد الشاعر لغاية الآن، حيث اقترب «معتوق» من مجاراة الشعر الأوروبي من حيث فلسفة النص.

فكانت القصيدة دعوة للسلام والتسامح والارتفاع عن النظرة الضيقة لمفهوم الإنسانية ومفهوم الإبداع وحصره بالتعصب الأعمى للقبيلة والعرق والقومية، فكان قريباً من فلسفة «غوته» في رؤيته الإنسانية الوجودية، وأقرب إلى «الفولتيرية» في مضمون التسامح، فوصفه بن تميم بأنه «شاعر رحالة» وقال عنه مرتاض بأنه «امتلك ناصية الشعر» وعلق نايف الرشدان بقوله «يحق للمشهد الشعري الإماراتي أن يفخر بك».

وفي قصيدته الثانية «الفكرة البكر» استطاع الشاعر كريم معتوق أن يقدم فكرة الوطن الإماراتي بزهو هو أقل ما يقال عن هذه الأرض المعطاء، فكان تعقيب نايف الرشدان في محله حين قال: «يحق للإمارات أن تفخر على عواصم الثقافة العربية؛ بأنها استطاعت أن تجمع وتضم الشعراء العرب من كل الأقطار بين جنباتها» .

الشاعر الموريتاني محمد ولد الطالب كان آخر شعراء الأمسية - من حيث زمن الإلقاء لا القيمة الشعرية - حيث قدم ولد الطالب قصيدة كان مطلعها «الأرض توغل في المساء» اشتغل فيها بنفس شعري معاصر استطاع تسخير المفردة والأسلوب الشعري الكلاسيكي في مضامين حداثية تنزع لصياغة الأسئلة، واقتراف الغواية الإنسانية الأولى الباحثة عن ذاتها من خلال الآخر وبه.

واحتشدت الرموز التاريخية والأسطورية في قصيدة ولد الطالب، فكان «الحلاج» وعذاباته العذبة، و«السندباد» ورحلته الأثيرية بين أزمنة وأمكنة يبحث فيها عن الآخر باعتباره مرآة للذات، فعلق عليها صلاح فضل بقوله «لقد عصرنت الصورة التراثية في نصك هذا» .

كما امتدح بن تميم النص وأسلوب الشاعر في تحديث الصورة المتقادمة في الزمن من خلال بث روح الحداثة فيها، أما في القصيدة الثانية فقد بدأها ولد الطالب بقوله «أقسم بعبقر» محيلاً تراكمات الأسطورة الشعرية العربية القديمة إلى شكل من أشكال النص الحديث، فقال عنه نايف الرشدان «لقد أثبت الشاعر استيعابه الكبير لتجربة الشعر على هذه المنصة» .

عين «البيان»

* اكتظ المسرح بحشود كبيرة من الجمهور العربي لمساندة شعرائهم من كافة البلدان العربية، وحاز الجمهور الموريتاني يليه السوداني وبعده الفلسطيني والسعودي والإماراتي، المراتب الأولى من حيث الحجم، وتنوعت أزياء هذا الجمهور وأعلامه بتنوع الخارطة العربية، فمن «كنادير» إماراتية، إلى «درّاعات» موريتانية و«حطّات» فلسطينية و«دشاديش» سعودية و«جلابيب» سودانية اكتظت مدرجات المسرح بألوان قوس قزح عربي ربما هو الأكبر في أمسية شعرية فصيحة، ويبقى السؤال المشروع: هل يساند الجمهور الإبداع أم شاعر الوطن والبلد الذي يمثلهم؟ نظن أن تصفيق وتشجيع وهتافات الجمهور هي الإجابة لهذا السؤال.

* القصيدة الارتجالية التي سيحدد موضوعها في الأسبوع المقبل؛ ستثبت قدرة الشعراء على أسلوب شعري يحمل طقوس الشعر العربي القديمة، وستثبت أهلية الشاعر وتمكنه في الفضاء الشعري.

* ترددت في كواليس المسابقة من بعض الأصوات؛ أن الأمر محسوم في اختيار صاحب لقب «أمير الشعراء»، ورغم بعض الإشارات، إلا أن ما شهدناه من نزاهة لجنة التحكيم ودقة اختيارها لشعراء استحقوا بالفعل الوصول إلى المراحل النهائية، أثبت عكس ذلك.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري