على خشبة منسقة تماماً تعيدنا بترتيبها إلى حقبة قديمة من الزمن، حضر «تاجر البندقية» ومعه مبدع حكايته الكاتب الانجليزي الشهير ويليام شكسبير الليلة قبل الماضية إلى قاعة مسرح جمعية دبي للفنون الشعبية.
حيث اتخذت القصة اسماً آخر هو «بورتيا» في عرض مسرحي من إعداد وإخراج منال بن عمرو، وتمثيل كل من لمياء حشاني في دور(بورتيا) وعلي السراج (المرسال) وطارق المنصوري (بسانيو) ومحمد نذير (انطونيو) وحسين جواد (شايلوك)،وفيصل علي (القاضي).
وهذا العرض تلاه مساء أمس عرض «الياتوم» لكل من سالم الحتاوي ومحمد الحمادي ، قبل أن تختتم الليلة فعاليات مهرجان دبي لمسرح الشباب في دورته الأولى بالعرض الكويتي المستضاف «غسيل ممنوع النشر» لفرقة مسرح الخليج العربي.ويعقب ذلك توزيع الجوائز على الفائزين.
ربما تكون الموسيقى وايقاعاتها المتزامنة مع بدء العرض المشهدي الأول من مسرحية «بورتيا»، عن رائعة شكسبير «تاجر البندقية» هي المفصل المرن على المسرح.
ومع انتهاء الإيقاع الأخير من المقطع الموسيقي، دارت حوارات رتيبة،وتحركات متثاقلة تحدُ من أداء الممثلين على خشبة المسرح، وكأن بالحوارات حفظت عن ظهر قلب، ما تسبب بفقدان العمل لأبسط قواعد المسرح.
وهو فن إقناع المشاهد بأهمية ما يسمع ويرى. ولعل التأزم بين شخصيتي طارق المنصوري (بسانيو) ومحمد نذير (انطونيو) يشير إلى أهمية الصداقة بين الرجلين، فكلاهما يستخدمان الصداقة بمعناها الكياني للكلمة. إذ أن أنطونيو لا يدخر وسعا لحماية صديقه بسانيو، ويرى في دعمه أمام (القاضي) فيصل علي هو المرتكز الرئيس لمعنى الصداقة بينهما.
وشكل دور المرأة (بورتيا)، والذي جسدته لمياء حشاني، المفصل الدرامي في العرض المسرحي، ففي مطارح كثيرة من العرض كانت المحرك الحيوي لزملائها على الخشبة. فهي تارة (بالتزار) المحامي، وتارة أخرى (بورتيا).
التراجيديا والأزمة في عمق النص يتجليان بأوضح صورهما في المسرح الشكسبيري، ويبرز هذا حين تدافع (بورتيا) المتنكرة بزي المحامي (بالتزار) عن (بسانيو) أمام (القاضي).
إن أزمة المسرح الشكسبيري تتعقد وتتفاوت في الحوارات المفترضة بين الشخصيات على الخشبة، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل استطاعت المخرجة منال بن عمرو في نقل الحوارات من دون أن تنتقص من معناها؟
ولابد من التوقف عند الرؤية الإخراجية التي نفذتها منال حيث بدت المشاهد جامدة، وغير مقنعة في أدائها على الخشبة، كما لاحظنا أن التركيز على الديكور والأزياء كان أكثر من حضوره في الحوارات بين الممثلين، مما وسم العمل المسرحي بطابع من الملل في كثير من الحوارات.
أما شخصية( شايلوك اليهودي ) الذي قام بتجسيدها حسين جواد، فقد عملت المخرجة عليها أكثر من غيرها، الأمر الذي أضعف الشخصيات الأخرى، فبدت غير مقنعة في أدائها.
آراء ووجهات نظر
لم تكن النقاشات في الندوة التطبيقية حول العرض المسرحي «بورتيا» كما جرى في الندوات السابقة، حيث كانت المداخلات قليلة. وقد شارك في النقاش على المنصة كل من المشرف الفني على عروض المهرجان المخرج العراقي محمود أبو العباس الذي رحب بالحضور، وبالفنان المسرحي العماني طالب البلوشي، ومعدة ومخرجة العمل منال بن عمرو.
واستهل البلوشي مداخلته بالإشارة إلى أهمية المسرح، في حياتنا اليومية، واصفاً إياه بالبحر الكبير الذي لا نعرف حدوده. ولاحظ أن المخرجة ارتكزت في إعدادها على زبدة النص الأصلي لمسرحية شكسبير الشهيرة «تاجر البندقية» وبعض الجزئيات منه.
وأشار إلى أن الموسيقى وظفت بشكل دقيق في مشاهد العمل المسرحي، لافتاً إلى وجود رتابة في الحوارات وحركة الممثلين. وقال البلوشي إنه توقف عند جملة وردت في العرض المسرحي لم يستخد مها شكسبير في نص مسرحيته، وهي التي قالها مجسد شخصية «اليهودي شايلوك» ومفادها: «اللعنة على الحكمة».
وخلص البلوشي إلى القول إن الموسيقى كانت بديعة، متمنياً لو انها وظفت بشكل أكبر أثناء المشاهد المسرحية.
ورأى المخرج الإماراتي إبراهيم سالم أن ثمة مصداقية في تعامل المخرجة والمعدة منال بن عمرو مع النص، ولاحظ أهمية اللمسة الأنثوية التي وسمت الإخراج والملابس. بينما بدا الممثلون في منتهى الشفافية في أدائهم للشخصيات.
وأبدى المخرج الإماراتي حسن رجب إعجابه بتقديم منال بن عمرو المضمون الحقيقي للمسرحية الأصلية بشكل مكثف، وتمكنت من إيصال الفكرة، لكنه أشار إلى أن حركة الممثلين لم تكن بالمستوى المطلوب على الخشبة. وبينما قدمت مداخلات لعدد من الجمهور، أشاروا فيها إلى الرؤية الموفقة التي قدمتها المخرجة منال بن عمرو، وإلى ضرورة أن يكون هناك المزيد من الجرأة في التقديم، وتحدث أحدهم عن ضعف أداء بعض الممثلين في نطق مخارج الحروف.
وتحدث عمر غباش رئيس اللجنة المنظمة للمهرجان ، حيث أثنى على جهود المخرجة وتركيزها على التفاصيل، ولا سيما الملابس التي نقلتنا إلى تلك الحقبة الزمنية الغابرة.
منوهاً بالاستخدام الجيد للماكياج والدخان في العمل المسرحي. وفي الختام، تحدثت المخرجة منال بن عمرو باقتضاب، مشيرة إلى أن العرض المسرحي الذي قدم، هو نتاج الورشة المسرحية التي دامت حوالي الشهرين. وأوضحت أنها صنعت خلال الورشة والعرض ممثلاً جديداً على الساحة الفنية هو حسين جواد الذي أدى شخصية «اليهودي شايلوك».
غسيل ممنوع النشر
من جهة أخرى تختتم مساء اليوم مسرحية «غسيل ممنوع النشر» التي تقدمها فرقة مسرح الخليج العربي في دولة الكويت، فعاليات الدورة الأولى من «مهرجان دبي لمسرح الشباب» الذي أقيم ضمن فعاليات ملتقى دبي للثقافة والفنون حيث ستقدم المسرحية المستضافة وهي من تأليف وإخراج «ناصر كرماني»، في تمام الساعة السابعة والنصف على خشبة مسرح جمعية دبي للفنون، يليها الحفل الختامي لملتقى دبي للثقافة والفنون، وتوزيع جوائز مهرجان دبي لمسرح الشباب.
*من جهته وجّه الدكتور صلاح القاسم أمين عام مجلس دبي الثقافي الشكر، لجميع المشاركين والقائمين على فعاليات «ملتقى دبي للثقافة والفنون» و«مهرجان دبي لمسرح الشباب»، وإلى الجمهور الذي تابع الفعاليات والعروض المسرحية المحلية، وشارك بفاعلية في الندوات الفكرية والتطبيقية التي تلت هذه العروض التي أفسحت المجال للكثير من المواهب الوطنية، سواء على صعيد التمثيل أو الإخراج والتعامل مع الفن المسرحي بشكل عام.
كما شكر أمين عام المجلس فرقة «مسرح الخليج العربي في دولة الكويت»، على تلبيتها دعوة «مجلس دبي الثقافي» للمشاركة في فعاليات المهرجان الذي يسعى إلى استقطاب الطاقات والمواهب العربية الشابة، للنهوض بالحراك المسرحي وتفعيل النشاط الإبداعي والمسرحي في دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص، وفي دول مجلس التعاون وبقية البلدان العربية بشكل عام.
*من جهته أكد الفنان الإماراتي «علي عبيد غباش» رئيس اللجنة المنظمة لمهرجان دبي لمسرح الشباب، إن هذه المسرحية حققت النجاح الكبير في مهرجان الكويت المسرحي التاسع 2007 في شهر أبريل الماضي، من خلال نيلها جائزة أفضل عمل مسرحي متكامل في مهرجان المسرح المحلي في الكويت.
وقد تم اقتراح عرضها في مهرجان دبي لمسرح الشباب بالتنسيق مع «مجلس دبي الثقافي»، وتفعيلاً لاتفاقية التعاون الموقعة بين «مسرح دبي الأهلي» و«مسرح الخليج العربي في دولة الكويت»، وذلك بعد أن حضرنا هذا العرض في الكويت، وأحببنا أن تكون مسك الختام بحضور جميع الضيوف والمشاركين في العروض المسرحية والمسرحية التي قدمت خلال أيام المهرجان.
* وقال الفنان «منقذ السرّيع» رئيس لجنة التحكيم في مهرجان دبي لمسرح الشباب:
ـ أترك الحديث عن التفاصيل لكاتب ومخرج العرض المسرحي، لكنني أستطيع القول وبحكم موقعي كرئيس لفرقة «مسرح الخليج العربي في دولة الكويت» .
وإشرافي العام على العمل، إنه عرض جميل تكاتفت الجهود لإنجازه بعد أن أستغرق عامين لإعادة كتابته وقراءته من قبل الأستاذ «ناصر كرماني»، إلى أن تبلور كعرض مسرحي متكامل، محققاً الجائزة الكبرى في مهرجان الكويت المحلي المسرحي.
وقد تلقى العديد من الدعوات لعرضه على خشبات المسارح العربية والعالمية، مؤكداً أنه انطلاقة جديدة لمسرح الخليج العربي بعد جيل الرواد والمؤسسين الذين تركوا بصمة واضحة على مستوى الوطن العربي، حيث يرفع الآن جيل الشباب الراية من جديد.
وعن رأيه بالعروض المسرحية المقدمة في مهرجان دبي للمسرح الشباب قال رئيس لجنة التحكيم:
ـ سعيد للغاية لمحاولات الشباب تقديم نماذج مسرحية سبق أن عرضت لكبار الكتاب والمخرجين الإماراتيين، حيث تكمن خطورة المقارنة أمام الجمهور .
وليس أمام لجنة التحكيم، وهذا ما يثلج الصدر ويجعلنا نطالب عبر توصيات لجنة التحكيم بضرورة استمرار هذا المهرجان المحلي، خاصة وأنه يعتبر ورشة مسرحية حقيقية لاكتشاف المواهب والطاقات التي تسعى لتقديم نفسها عبر النتاجات المسرحية المحلية المتعددة.
* فيما أشار «ناصر كرماني» كاتب ومخرج «غسيل ممنوع النشر»، إلى أن المسرحية تسلط الضوء على الهوية الطبقية بين الفقراء والأغنياء بلسان أحد الصحافيين، الذي يشعر أنه مهمش ومسحوق بحكم انتمائه إلى طبقة فقيرة، بعد أن ورث البؤس والفقر عن أسرته التي كانت تعمل لدى أحد الإقطاعيين صاحب الجريدة التي يعمل فيها الآن، حيث يصل إلى درجة يتحدث فيها مع نفسه وملابسه وهو يقوم بغسلها، والتي تتحول بدورها إلى أفكار تبدأ بسرد سيرة حياة الأسرة وانعكاسات الفقر والحقد على الطبقة الغنية، وذلك عبر إسقاطات سياسية واجتماعية واقتصادية واضحة.
وحول أهمية عرض عمل مسرحي احترافي في الدورة الأولى من مهرجان دبي لمسرح الشباب قال المخرج الكويتي:
ـ فرصة للإطلاع على عمل مسرحي متكامل من ناحية الأداء وتماسك النص والسينوغرافيا، نال رضا جميع النقاد، بعد عملي المسرحي لأكثر من 15 عاماً، وإطلاعي على العديد من التجارب الفنية الأوروبية ونيلي درجة الدكتوراه من جامعة «نوتنغهان ترنت» البريطانية.
دبي ـ سامي نيال
