يواصل مهرجان دبي لمسرح الشباب سلسلة عروضه لليوم السادس على التوالي بمسرحية «مراديه» من تأليف سالم الحتاوي وإخراج عيسى كايد، تمثيل أحمد عبدالكريم وسعيد مبارك.
مع تكرار مقطع «هل رأى الحب سكارى» من أغنية أم كلثوم تنفتح الستارة على نقطة عسكرية حدودية متقدمة، يتوسطها برج مراقبة يعلوه كشاف، وعلى يمين البرج مرحاض قربه برميل ديزل، وعلى يساره مقعد خشبي، وتلف الظلمة المكان دون تحديد جغرافيته بوضوح رغم الإشارة إلى إنه جزيرة من الجزر، يشغل هذا المكان جندي وضابط، تتكشف شخصية كل منهما عبر الحديث عن الماضي وربطه بالحاضر المعاش، فيدرك المشاهد أن الجندي ينتمي لأسرة وطنية ويحب أرضه.ومستعد للموت من أجلها، بينما الضابط ينتمي لأسرة تربت مع الإنجليز، شخصيته مهزوزة ولا يقوى على اتخاذ أي قرار شجاع، وحين تتصاعد الأحداث ويدخل العدو المفترض هذه النقطة الحدودية، ينهار الضابط، ولا يقوى على اتخاذ قرار بالحرب، ولا يستطيع الجندي أن يطلق طلقة واحدة، وتكون نهاية المسرحية بصراخه ومناداته لأهل الجزيرة كي ينهضوا للدفاع عنها، لكن دون فائدة.
لقد استطاع المخرج عيسى كايد طيلة العرض أن يضبط العلاقة بين الجندي والضابط رغم تشعب الحوار فيما بينهما، وظل احترام المراتب قائماً حتى القرار الأخير، وهو إطلاق النار، وهذا تسلسل منطقي لتصاعد الأحداث، ولكن هل استطاع المخرج أن يذهب بالشخصية إلى نهايتها المنطقية؟
بغض النظر عن صعوبة العمل المسرحي القائم على شخصية أو شخصيتين، لم يستطع «كايد» استيعاب النص عبر تجربته الشبابية، يعود ذلك لإشكاليات إخراجية ولإشكاليات في النص ذاته.. إخراجياً كان يجب العمل على الممثلين كي يفهما عمق شخصيتهما، خاصة أن التعريف بشخصية كل منهما كان عبر السرد، أي الحديث عن الشخصية وليس القيام بأفعال تدل عليها، وهنا تكمن الصعوبة، ومن هنا يجب التلوين في الحركة في الإيقاع في نبرة الصوت في الانفعالات وفي كل المكملات المساعدة والتي كانت الإضاءة جزءاً مهماً فيها.
ومع تمايز كل من الممثلين في استيعابه الجزئي للشخصية، إلا أن شخصية الضابط في تحولاتها بحاجة إلى إيقاع متصاعد كي تصل على ذروتها، وهي حالة الانهيار، وربما كانت حالة الثمالة التي لم يبق منها إلا مقطع الأغنية «هل رأى الحب سكارى» تساعد المخرج في ذلك مع الشغل على المتناقضات الأخرى، كالخوف والغناء واللباس وتصدير الأزمة بالهروب إلى الماضي.
وحين حاول المخرج أن يخفف من الثقل التراجيدي للنص بإضافة بعض «القفشات» الكوميدية خلقت عند الشخصية حالة التناقض الفج في ظل التداعي الضروري للشخصية، من حيث المبالغة التي وصلت بموقع عسكري أن يكون المرحاض جزءاً مهماً وبارزاً فيه أكان في الديكور أو بالمدة التي يشغلها الضابط فيه، ومن حيث الأداء التمثيلي الضعيف لتلك القفشات.
أما إشكاليات النص، ولا يقصد بالإشكاليات الوجه السلبي للعمل بقدر ما يقصد المعنى الإيجابي للإرباك، فالنص جريء، يتناول بعموميته حالة الأمة، وبخصوصيته حالة الهزيمة الداخلية للفرد الذي يشكل جزءاً من الكل، والشغل على الشخصية عبر الحديث عنها كمنولوج داخلي يحتاج إلى مقدمات ومن ثم تصاعد درامي كي يرتبط بالحدث الفعلي على المسرح، وهي حالة الانهيار من جهة، وحالة الاحتلال من جهة ثانية.
وفي هذه الذروة، ثمة صعوبة في خلق شخصية تقنع المشاهد بها مقارنة مع الشخصية الثانية في ظل غياب أي معادل موضوعي لذلك، والمؤلف باتكائه على الماضي عاد بالشخصية إلى نمط محدد لا يتناسب مع حاضرنا، وليس ثمة مبرر للعودة إلى أيام الانجليز كي تكون صنيعتهم شخصية مهزومة، خاصة في ظل ما يحدث في وطننا الآن، والمخرج لم يشتغل على تحديث الشخصيات أو المكان حتى نقول إنه مسرح النص أو أضاف له جديداً.
الندوة التطبيقية
أدار الندوة التطبيقية المسرحي العراقي كريم التميمي وشارك فيها رجاء الجنابي، قيس الزبيدي، علي فردان، عمر غباش، حكيم عنكر، حسن رجب، بالإضافة إلى مؤلف النص سالم الحتاوي ومخرجه عيسى كايد.. تحدث التميمي عن دور المسرح وضرورة دعم التجارب الشبابية، وتطرق إلى العمل وصعوبة الشغل على شخصيتين، معتبراً أن كاتب النص هو المؤلف الأول والمخرج هو المؤلف الثاني..
ودارت النقاشات حول جرأة النص وقوته والإسقاطات السياسية فيه من جهة، وسطوة السرد على الفعل المسرحي من جهة ثانية، والإيقاع والحركة والحوار، وقراءة الشخصية وفهمها وعمقها والأداء التمثيلي وقدرة المخرج على مسرحة العمل والتعامل مع الممثلين،كما تطرقت النقاشات إلى السينوغرافيا عامة والإضاءة بشكل خاص.
دبي ـ محمود أبوحامد

