تحدثني دوما عن وطنك، الذي لم أزره يوما ، ولن أزوره مستقبلا .

أخاف من الواو المنزلقة بين الكلمتين، مع أنها كلمة واحدة تشي بالزيارة.

أعرف أنك منكسر كجناح باشق أعياه الترحال.

ولكنني الغربة بصمتها، وعويلها الدائم.ولا أظن أني بحاجة للعودة تلك.

أنا الوطن،والوطن أنا.. هذا ما أقوله حين ينتابني التعب، محاولا صياغتي بحرفية مطلقة.

كما تعلم أكره الحرفية في كل شيء، وأظن أنني فوضوي من طراز رفيع.هذا ما أراه اليوم بخفة مطلقة.

أحدهم في الشارع الآخر يحتل زاوية منسية، يقنص منها على هذا الماضي السحيق.

تضحك متهما فوضاي بالكسل. أجاوبك أنا الكسل، والكسل يعلمني كيفية التفاهم معه بدراية.

أذكر أنك ناقوس خطر، يطنُ حين ينتابك المكان بصوره.

أذكر الآن مقعدي المدرسي العتيق، لطالما كرهته في حصصي المدرسية المقبلة على موت أسود.

المقعد نفسه يذكرني برفاق الصف المتجه إلى الخراب.

كما أعتقد بعد قليل في السحاب طائرة معادية، تقرأنا كما أننا كتابها الجغرافي. لطالما كرهت الجغرافيا وتضاريسها المتباينة.ها أنا أحاول بعناية فائقة، أن أجذبها من ذيلها علها تخفق في قصفنا المضحك.

تدرك كم أكره الرصاصة الأولى، وأنا على وفاق تام أن أفتح أحلامي لمواجهتها ببعض جسدي.

هذا الجسد مرهق، وأظنه قد شاخ باكرا حين غفوت قسرا عن العائلة.

دعني أصوغها بخفة وحنكة مفبركة، سأزور بلادك يوماً، والتي لم تستوقفني فيها سوى زغردة العصافير، ورندحة السواقي التي كتبتها بأحرف غافية.

ستضحك الليلة محاولا أن تزيح الدار عن ساكنيها، وعلى الأرجح ستختار وطنا من نسيج كتابتك يليق بنا جميعاً.

على شرط، دعني أقود الدفة بفوضاي، علني أريك الطريق الغائب بحاضره المنكسر.

دعني الآن ببساطة، أخطُ بعض الحروف بخوف أقل من المعتاد.

علها لن تمطر الليلة..

البرق يتفحصنا بدقة جيش متدرب على إذلالنا..

الطائرات تحوم بنا وبأحلامنا، حين ننسى أن نسرق الضوء المخفي من صرتنا المستباحة.

تلك الليلة أبي يرشُ أهل الحي بماء الورد، مبللاً الوطن بمبخرة الفجر المنسية.

وبورخيس في ركنه المسكين يرمقنا بعينيه الغافيتين، محاولا حياكتنا على شاكلة وطن يليق بنا معاً.

Sami_le@yahoo.com