أكد مثقفون أن ما يحدث في مصر والعالم العربي من تضييق على حرية الرأي ورقابة على الإبداع والمبدعين يؤدي إلى مزيد من الانغلاق والتعصب وطالبوا بضرورة تعديل القوانين، التي من شأنها تعطيل حرية الرأي والتعبير، بحيث يكون من حق كل مواطن وكل مبدع أن يقول رأيه ويبدع إبداعه بدون أية مصادرة أو تهديد بالحبس.

ووصفوا حالة الوطن العربي عامة ومصر خاصة بأن به العديد من أنواع الرقابة الشعبية والمؤسسية، مثل: المؤسسات الدينية وأخلاق المجتمع. جاء ذلك في الندوة، التي أقامها حزب الوفد المصري تحت عنوان «حرية الرأي والتعبير بين السياسة والدين والمجتمع»، تحدث فيها مجموعة من المثقفين وأصحاب الفكر والسياسة يأتي على رأسهم د. وحيد عبدالمجيد مساعد رئيس حزب الوفد، والكاتب محمد سلماوي الأمين العام لاتحاد الكتاب العرب، د. عبدالمنعم أبوالفتوح أمين اتحاد الأطباء العرب، والسيناريست أسامة أنور عكاشة والكاتب صلاح عيسي رئيس تحرير جريدة القاهرة، التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية.

وأكد د. وحيد عبدالمجيد مساعد رئيس حزب الوفد أن النظام فشل في حماية حرية التعبير بسبب التغيرات التي حدثت في المجتمع والميل إلى التعصب والانغلاق على الصعيد الديني، الذي أنتج كثيراً من التضييق على الصعيد الثقافي.. كما أن قانون الإرهاب الذي يعد في الظلام لا نعرف ما يحمله فيما يتعلق بحرية التعبير.وقال اننا أمام مشكلة خاصة في الإبداعات، التي يمكن أن يتم تأويلها بشكل متعصب إذا كان لها صلة بالنواحي الدينية، وكذلك القيود التي يفرضها المجتمع.

وتساءل عبدالمجيد: كيف يمكن حماية حرية الإبداع في ظل هذه القيود وكيف يمكن التوافق على صيغة تجمع بين حرية التعبير واحترام العقائد الدينية، وما الذي ينبغي عمله الآن لتجنب المزيد من القيود على حرية الإبداع؟!

حرية الكلام

وأشار محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب المصريين والعرب إلى أن حرية التعبير في مصر لها خصوصية غريبة عن أي مكان في العالم وهي أن النظام في مصر يفخر بأنه لم يقصف قلماً، وأنه ليس هناك رقابة مباشرة على ما يكتب وأن أي شخص يستطيع أن يكتب كتاباً وينشره دون إذن رقابي ويستطيع أن يكتب مقالاً يهاجم فيه من يريد بما يشاء ورغم ذلك، فإن الحياة في مصر في رداء من الجبس فالحياة السياسية لا تتحرك قيد أنملة، فعندما كان وزير الخارجية البريطاني هنا في مصر، تساءل: لماذا لا تنعكس هذه الحرية على الوضع السياسي؟!

فهناك فرق شاسع بين حرية التعبير والحرية السياسية وكيف سيطر حزب واحد على الحياة بأكملها. وقال سلماوي: حرية التعبير الموجودة في مصر هي نوع من حرية إطلاق أي آراء في الهواء، كما نطلق الرصاص ولكن ليس من حقك أن تصيب أحداً وأنها حرية تعبير وليست حرية تغيير وهي حرية كلام وليست حرية حركة، ورغم أنها حرية غير مسبوقة، فإنها تقيد الحياة الثقافية والسياسية ولا تغير أي شيء.

فيما أشار الروائي والكاتب أسامة أنور عكاشة إلى أن عملية الإبداع تحولت إلى مسألة تشبه اللعب على حبال سيرك وأن هذا نتيجة اجتياح لفكر متطرف لمصر والعالم العربي، فاجتاحوا جميع مؤسسات وجماعات الإبداع وأفلحوا في التأثير على الأزهر بعد أن كانت القلعة المقاومة أمام أنصار التطرف الفكري. وإن هذه التيارات حاولت أن تفرض وجودها وبدأت باستخدام مشايخ الأزهر وبذلك يتم التأثير على الأزهر.

وأوضح أن الإسلام المصري والعربي، الذي كان وسطياً فيه الروح المتسامحة التي تقبل الآخر ولا ترفضه، اختفى تحت وطأة الهجوم الفكري المغلق، الذي اجتاح مصر والعالم العربي والمؤسسات الثقافية والفنية والسياسية ليصبحا تابعين لأناس وجماعات هي في الأساس تابعة لدول كبرى.

الإسلام الحضاري

بينما اعترض د. عبدالمنعم أبوالفتوح أمين عام اتحاد الأطباء العرب على تسمية الإسلام السياسي، وقال إنني أمثل الإسلام الحضاري الذي هو أوسع من الإسلام السياسي وإنني أمثل فصيلاً من الإسلام الحضاري، والذين يعتمدون الحداثة والموقف من الآخر والديمقراطية والشورى وتعدد الأحزاب.

وإن الإسلام الحضاري، الذي يهتم بالإنسان ـ كإنسان ـ هو المدخل لأي إصلاح للإنسان وهو محور التغيير والحضارة في أي واقع بشري.. «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

وأكد أن الإبداع حالة استثنائية فليس كل الناس مبدعين وأنه عندما يتكلم المبدع بشكل مثير للتغيير الذي هو هدف الإبداع، إذن فهو حالة من حالات إحداث التغيير في المجتمع وإلا سينفصل الإبداع عن المجتمع، وأنه لذلك لا يجب علينا أن نضع عليه القيود منذ البداية، وإنما يجب أن نفرق بين ما ينتجه المبدع، وما ينشره وما نفعله نحن، إننا بوضع القيود لا نستفيد من إبداعه ولا نترك المبدع يبدع.

وانتقد الذين حولوا الدين إلى محرمات وقال بأنهم مجموعة مهووسين لا يمثلون فكراً ولا ديناً، إنما ثمة قوى أحدثت هذا الشرخ بين الدين والإبداع والدين والثقافة في غياب التيار الإسلامي المنير، مما دفع بأفكار لا تتناسب مع المصريين.

حرية عارضة

وأكد صلاح عيسي رئيس تحرير جريدة القاهرة: أن أول طريق للحرية هو التحاور الإيجابي، الذي لا يصادر حرية الآخرين، بالإضافة إلى أهمية تغيير القوانين بما تكفل حرية الرأي والتعبير للأشخاص واصفاً ما نعيشه من حرية التعبير بأنها حرية عارضة تقوم على سماحة الحاكم وليست القانون ولكن هذه المواد معطلة وتخرج في مواجهة أي شخص لا يروق السلطة وأضاف أننا نريد حقوقاً قانونية.

كما أن دور الصحافة في تأجيج الأزمات بهدف الإثارة هو نفسه قيد على حرية الإبداع رغم أنه من المفترض أن تعمل الصحافة على صوت حرية الرأي والتعبير، وقال: علينا أن نتفق بأنه ليس من حق أحد أن يحتكر الصواب وأن ينفرد بالرأي السديد وبالحديث باسم المقدسات، واننا نختلف في أمور دنيوية ولابد أن نعالجها بأنفسنا.

القاهرة ـ محمد البديوي