على متر مربع من الرصيف تتزاحم أبدان وتزحف أقدام وتنطوي أعمار وتنشأ قصص.على متر مربع واحد محشور بين مظلات باعة الرصيف المتصلة، أعترضُ المارة وأسألهم عن أعمارهم، يقفون أو لا يقفون، يحدقون إلى وجهي مستغربين ثم يمضون في سبيلهم. تنبع أقدام المارة من جسر على نهر (العشار) وتصب أحمال ظهورها وعرق جباهها في ساحة (أم البروم). استوقف فلاحاً يقصد الساحة لبيع زنبيل تمر ينوء بحمل: «كم عمرك يا جدي المكدود؟». لا يرفع وجهه نحوي، وأسمع قهقهة الشحاذة خلف ظهري: «عمره خمسة أعوام يا حشري، خمسة أعوام بعمر طفلاتي».
على مساحة متر مربع واحد تتشبث خمس شخصيات بأركانها، وتقاوم زحزحة الأقدام واندفاع الأجساد أن تسلخ أعمارها: الأولى شحاذة بائسة ضامرة مسفوعة الوجه رثة الثياب، تحتال عل سقمها وجفاف حليب حنانها بجمع دمى الأطفال في سلة تقربها من قدميها المطويتين تحت عباءتها وتهش أقدام المارة أن تطأها.
الثانية: ساعاتي تخلى عن تصليح آلات الوقت لاقتناء أقلام الحبر التي بطل استعمالها، عسى أن تستلفت مجموعة أقلامه المعروضة في صندوق زجاجي أنظار كاتب الوقت الأخير فيبيعه القلم الذي شح حبره وبهت بريقه على الورق. الثالثة: بائع صحف يكدس على رفوف كشكه روايات الوقت القديم وصحف الأيام المنطوية.
الرابعة: حلاق مسمّر وراء واجهة صالونه الزجاجية المطلة على مربع الأقطاب الأربعة، يعرض ما تبقى لديه من مقصات وأمواس وأمشاط وذرور وعطور مصفوفة حول مرآة ديوان الحلاقة، لم يتحرك منها شيء منذ أن تبخرت آخر قطرة من قارورة العطر الكبيرة ماركة (بومبادور) الفرنسية. والشخصية الخامسة: سائل الأعمار الذي أضاع عمره في هذا الزحام على هذا المربع المقسوم بين شخصياته الخمس تقسيماً عادلاً بين الدمع والابتسام.
لا تبارح الشحاذة موقعها لا في ليل ولا في نهار قرب دماها، وأبكر في احتلال موقعي مع الأقدام الأولى، ثم يلتحق الساعاتي بصندوق أقلامه، وبائع الصحف بكشكه، وفجأة يتراءى الحلاق وراء واجهة صالونه جالساً كمومياء فرعونية أمام المرآة، يسرح لمّة رأسه المتناثرة بمشط طويل. ناداني بائع الصحف ليطلعني على صفحات جريدة مطوية، نفض عنها الغبار وبسطها على حافة فتحة الكشك: عدد من جريدة (الناس) المحلية مؤرخ في 24 أغسطس 1952.
أشار بائع الصحف بأصبعه إلى الخبر الرئيس المصفوف بحروف متوسطة تحت عنوان الجريدة العريض «إضراب عمال الموانئ» ساحباً نظري عن أخبار الجريدة الثانوية التي كانت تطفو فوق الورق القديم بإثارة أقوى من عزيمة العمال المضربين. رسو الباخرة (بانجورا) في ميناء المعقل، وانتقال الزوار من متنها إلى خان (البهرة). موت لص في قاصة تاجر نجدي.
حفلة المغنية زهور حسين في ملهى دنانير. وصول نسخة جديدة من كتاب عبدالكريم العلاف (مجموعة الأغاني والمغنيات) إلى مكتبات البصرة. قلّبت أخبار الناس المتناثرة على الصفحات الداخلية للجريدة، مع الإعلانات عن ماكينات السقي ماركة (تومسون) وشفرات الحلاقة (ناسيت) وشراب البراندي وفلم كولومبيا الجديد في دار السينما الصيفية.
دارت بكرة ذلك اليوم البعيد المضطرب من أغسطس، لتحرك خيوط فكرة نائمة في ظلمة رأسي لا أعرف لعقدتها حلاً شافياً أو لغموضها انزياحاً نحو النور. كيف لي أن أحرّك الزوار البهرة في خانهم، وأخرج اللص من قاصة التاجر، وأعثر على كلمات أغاني زهور حسين في مجموعة عبدالكريم العلاف؟ خيوط متشابكة وشخصيات مصنوعة من ورق الجرائد الهش تتكسر حالما تلامس الهواء. فكّرت في أن الحل محصور في مربع الرصيف المزحوم، ودمى الأطفال في سلة الشحاذة، وأقدام الهاربين إلى ملهى الدنانير الزائفة.
استعرتُ من بائع الصحف رواية مترجمة من روايات الجيب كانت جريدة (أخبار اليوم) المصرية توزعها على العالم العربي، وانزويت في صالون الحلاقة لقراءتها. انتُزع غلاف الرواية مع ثلاث صفحات من بدايتها، لكني استطعت التهامها قبل هبوط شمس الظهيرة من عرشها في قبة السماء.
كان مؤلف الرواية أميركياً، وكان الوصول إلى لبّ فكرتها سهلاً بعد اكتشاف القشرة الخارجية لموضوعها الرئيس. ينهار جسر على نهر المسيسبي، ويبدأ الروائي بتقشير حياة الضحايا الساقطين في النهر واحداً واحداً، وعددهم خمس شخصيات، أربعة رجال وامرأة. فيا للتوافق المذهل، ويا للقدم السائرة باتجاه واحد! إن فكرتي تفك خيوط شرنقتها خيطاً خيطاً، بعد أن أكملت دورة سباتها في رأسي. سأصل إلى حوريتي ما إن أحل الخيط الأخير، في مربع الرصيف أو حوله.
كنت مستلقياً على أريكة الصالون، ولمحت خصلات شعر الحلاق الجالس على كرسيه الأثري تتهاوى على منكبيه وتتناثر تحت هواء المروحة. همست بأكثر ما أملك من حذر:
«أحتاج إلى قلم. هل تحتفظ بقلم فحم أو قلم رصاص، أو شيء مثلهما ينثر فحماً؟». كررت سؤالي بصوت أعلى، ولم أزد عليه، فأصر على تجاهل طلبي. ابتعد العهد بذلك الحلاق الشاب الذي يظهر في الصورة المعلقة فوق الأريكة مع أعضاء جمعية الحلاقين المؤسسة عام 1953، وفي صورة أخرى التُقطت له في حفل ختان. لقد هُجر في كرسيه كما هُجر طست الحلاقة والمسنّ الحجري على خزانة الديوان، وفقدَ الصوت الحازم الآمر على الرؤوس.
قفزتُ وفتحت الأدراج ثم أخرجت قلماً قصيراً مغمداً في أنبوبة فضية، يستعمله الحلاق في صبغ الشعر، وبحثت عن ورقة من أوراق جمع صابون الحلاقة وفرشتها على حافة المرآة أمام وجه الحلاق الجامد: «أنظر أيها المومياء. سأرسم مقطعاً طولياً لرصيفنا، كم يبلغ طوله ؟ نصف كيلو متر؟ أقل من ذلك؟ ثم أعود فأقطعه عرضياً إلى مقاطع ومداخل وعليك أن تعرفها لي».
رسمتُ ثلاثة مسارات طولية متوازية للرصيف الممتد بين الجسر والساحة، فاصلاً مسار الرصيف عن الشارع المختنق بالسيارات، ومسار الشارع عن خلفية بناية السراي القديم، ومسار سقائف باعة الرصيف عن واجهات محلات بيع الهواتف النقالة وأجهزة الكومبيوتر. ثم عدتُ ونصّفت المسارات الطولية إلى أربعة مقاطع عرضية معرفاً بثلاثة منها تؤدي إلى الفروع الداخلية الملتوية لبيوت العشار القديمة المتلاصقة، وهنا سألت الحلاق عن المقطع الرابع المظلل بقلمي: «إلى أين يؤدي هذا المدخل يا صاحبي؟».
اعتدل الحلاق في كرسيه ونظر إلى المدخل المظلل وقال: «هذا مدخل الملهى، ملهى دنانير».
ـ «الملهى الذي غنت فيه زهور حسين عام 1952؟».
ـ «نعم، أخبرني آمر مفرزة الانضباط العسكري، وكنت أحلق له شعره، أن رجلاً قُتل في ليلة افتتاح الحفلة أمام باب الملهى».
ـ «أكان الرجل من عمال الميناء المضربين؟».
ـ «لا، كان الاقتراب من المسرح ومضايقة المغنية سبباً كافياً لكي يُقتل المغرمون بصوت زهور حسين».
ـ «كانت حورية، دودة».
ـ «ماذا تعني؟».
ـ «دودة تغني وتتشرنق أمام عيون البائسين».
ـ «لا أفهمك، لكنها حورية».
ـ «وماذا حدث بعد ذلك؟».
ـ «انهار سقف الملهى. وشب حريق على المسرح».
ـ «متى؟».
ـ «لا أتذكر، كان الانهيار بطيئاً وطويلا ، المسرح والستائر والمقاصير، ثم تنازع الحراس صور الراقصات والمغنيات، ونُثر بعضها في الدهليز والشارع».
انزلق الحلاق في كرسيه وعاد إلى صمته مثل مقص انطبق على شعرة وبتها بتاً. ومن جانبي شعرت بخيوطي تتقطع وتتحرر حورية أفكاري من شرنقتها، وتخرج إلى النور، نور المساء الهادئ.
كانت الشحاذة بانتظاري وحدها، فقد انسل الساعاتي وبائع الصحف وخرجا من مربع الرصيف مسرعين، ولم ألحظ انطباق تابوت صالون الحلاقة على صاحئئئبه المومياء. حاولت عبثاً إيقاف أكثر من عابر أطرح عليه سؤال المساء. كانوا جميعاً يسرعون ويذوبون في قلب الساحة المظلم، فيما كنت أقيم في قلب الانهيار، انهيار الجسور والسقوف والمسارح والمربعات الصغيرة على أرصفة المدن العتيقة. بربرت الشحاذة تحثني على الانصراف: «حل عن مكاني. خذ جملك وامض إلى بيتك».