فتحت الستارة في قاعة مسرح جمعية دبي للفنون الشعبية الليلة قبل الماضية، على خشبة تغطيها الرمال، وبعض النباتات الصحراوية المتباعدة، وتتوسطها عارضة خشبية، على شكل حاجز أمني وضع على حدود ما، وممثل وحيد يتحدث مع نفسه، كان ذلك إيذاناً ببدء العرض المسرحي «عارضة» تأليف المخرج محمود أبو العباس وإخراج فيصل علي وتمثيل حسني التميمي في دور الرجل الأول، وحميد المهري «الرجل الثاني» إضافة إلى مساعدة المخرج صابرين أنور، وطاقم فني وتقني مؤلف من خمسة أشخاص.
ممثلان اثنان فقط لعبا طيلة العرض على الخشبة، واستهله حسن التميمي مجسداً «الرجل الأول» الذي هرب من الحرب إلى مكان مقفر طلباً للهدوء مع الذات، وإنشاء كيانه الخاص الآمن.هذا الرجل بدأ في ارهاصاته في عمق الصحراء وجفافها، كأنه يحطُّ وطناً على شاكلته.علّه يجد الهدوء والسكينة في ذلك، ولكن التكلم مع ذاته، والوحدة التي عاشها دفعته إلى وجود بديل عن هذا الضائع الوطني، ولعلَّ ملاقاته الرجل الآخر «حميد المهري» في العمق ذاته من الصحراء أوجد لديه نوعاً من الطمأنينة، أو التوجس من وجود الآخر في كيانه المفترض. فراح يحاول تطويعه ضمن منظوم سلطوي معلماً إياه مبادئ كان الرجل الأول قد توصل إليها في وحدته. بالمقابل كان «الرجل الثاني» يتقبل الأوامر على مضض، على أمل أن ينقض على «الرجل الأول» في أي لحظة، وفي نهاية المشهد المسرحي يحقق الرجل الثاني هدفه، ويقتل «الرجل الأول» مستلماً السلطة المفترضة.
ولعلَّ التأرجح، والتأزم بين الرجل الأول والرجل الثاني إن دلَّ على شيء فإنه يدلّ على ازدواجية السلطة بينهما، فكلاهما يستخدمها بالفعل الكياني للمعنى. فالرجل الأول اعتاد المكان وزمانه المفتوح على فراغ قاحل، ويرى في وجوده أسبقية ما يعني أنه سيد المكان بحدوده المفترضة.
العارضة في خلفية المسرح كانت أشبه بحدود المكان، ولذا استخدمت تارة كرشاش مفترض، وتارة أخرى استخدمها الرجلان أرجوحة استعاد من خلالها طفولتهما.
قد يكون المخرج فيصل علي وظف وجود العارضة بصورة مثالية، كونها الأداة الأساسية في الديكور، فالمرتكز كان حولها، وخلفها، وفي زوايا المسرح كافة.
وهذا إن ذكرنا بشيء فإنه يشير إلى عمق الفراغ والمتأمل للمسرح وديكوره يرى مسرحاً يشبه مسرح صموئيل بيكت، وخاصة الحوار المفترض بين الرجلين يؤكد ذلك. ربما يكون مؤلف النص محمود أبو العباس مزج بين صموئيل بيكت، وقصة روبنسون كروز، وهذا ما يظهر لنا في محاولة تعليم الرجل الأول الرجل الثاني اللغة المفترضة محاولاً تطويعه ضمن رموز تتوافق مع أحلامه.
وهنا لابد من التوقف عند الرؤية الإخراجية التي نفذها فيصل علي حيث بدت المشاهد متماسكة ومقنعة في الأداء العفوي للممثلين. كما لاحظنا تشابها بين رؤيتي محمود أبو العباس وبيكت في كتابة النص، وخاصة لجهة اختيار المكان، مع فارق واحد يتمثل في أن رؤية المخرج الذي جعل من الأرض الصحراوية القاحلة مكاناً للفضاء المسرحي، بينما ابتدع بيكت شجرة جرداء يابسة تمثل الموت وعدمية الأشياء.
«نقاشات غنية في الندوة التطبيقية الفكرية»
ارتأى كاتب «عارضة» المخرج العراقي محمود أبو العباس، أن يعرف بضيوف الندوة التطبيقية، ويرحب بمشاركتهم، ثم يغادر الخشبة ليجلس مع الحضور في القاعة، بعد اعتذاره مسبقا في عدم الإجابة على الأسئلة الموجهة حول النص المسرحي. تاركاً الكلام لمدير الندوة الصحافي عياش يحياوي، ومخرج العمل فيصل علي، ومن يشاء من الحضور.
واستهل يحياوي الندوة بإشادته بالمهرجان الذي ينظمه مجلس دبي الثقافي، وقال: إن الليلة الخامسة من العروض جعلتنا نعيش مع عمل إبداعي مفتوح على فضاءات متنوعة، وأشار إلى أن أهمية المسرح تكمن في منحنا مساحات للتأويل، مشيداً بأداء الشباب المميز، ومخرج تألق في توظيف حركة الأجساد.
ولاحظ عياش أن المشاهد المتتالية على الخشبة تشير إلى أننا أمام ملفات للحرب قائلا: إن السكين تمثل السلطة، وهذا الرجل الوحيد الذي يحملها يريد أن يصنع سلطته، ويرسم وطنه بالسكين، كما تبين لنا أنه يريد الهيمنة على الرجل الثاني فارضاً عليه ثقافة ولغة، كأنه يبتغي تأسيس ثقافة عبثية، ورأى عياش أن النص خال من أي جمل إنشائية معتبراً أن هذا العمل هو علامة مميزة في المسرح الشبابي الإماراتي. وأشار إلى أن مشهد حلول الشخص الثاني محل الأول على ا لخشبة بعد طعنه بالسكين وخلو المكان له كان أشبه بمشهد سينمائي، وختم بالقول إنه قدم قراءات بصرية إذ أنه ليس ناقداً مسرحياً، معتبراً أن العمل لم يترك له فرصة الالتفات يميناً أو يساراً خلال العرض.
ثم تحدث علاء المعيني مشيراً إلى أنه شاهد هذا العمل سابقاً لفرقة مسرح دبا، معدداً إيجابيات الأداء التمثيلي والإخراج، وقال: كنت أفضل لو أن المخرج اشتغل على مخارج الحروف لدى الممثلين، وتوجه الصحافي حكيم عنكر بسؤالين للمخرج الأول حول المشهد المتعلق بإطلاق النار باتجاه جمهور الصالة، والثاني حول الإنارة العرضية للفضاء المسرحي.
وبعد مجموعات المداخلات المقتضبة التي أشادت بأداء الممثلين الشباب والرؤية الإخراجية المميزة للمخرج فيصل علي، تحدث عمر غباش رئيس اللجنة المنظمة للمهرجان فاعتبر أن المخرج ورط نفسه في تقديمه نص مثل «العارضة» لأن التعامل مع ممثلين اثنين على الخشبة ينطوي على صعوبة، وكأنه عرض مونودرامي. وقال إن هذا العمل يحتاج إلى ممثلين محترفين لأنه يحتاج إلى جهد كبير. ولاحظ غباش خفوت الصوت في بعض الحوارات، وغياب لمخارج الحروف في بعض الأحيان.
دبي ـ سامي نيال

