التحق الشاعر العراقي حازم التميمي بشعراء المرحلة الختامية لمسابقة «أمير الشعراء» التي تنظمها هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، وجاء تأهل التميمي بعد أن نال مجموعاً كبيراً من أصوات الجمهور ودرجات لجنة التحكيم متفوقاً على منافسيه بفارق كبير، كما انضم الشاعر السعودي جاسم الصحيح إلى شعراء المرحلة الختامية بعد خوضه لغمار منافسة كبيرة في حلقة مساء أمس الأول من برنامج «أمير الشعراء» التي بُثت من مسرح شاطئ الراحة بحضور جمهور غفير.

تنافس في الحلقة خمسة شعراء، هم: الإماراتية هدى السعدي، العمانيان هاجر البريكي ومحمد المهري، الفلسطيني تميم البرغوثي، والسعودي المتأهل جاسم الصحيح، ونال «الصحيح» ما نسبته 5, 45% من درجات لجنة التحكيم ما أهله للصعود للمرحلة المقبلة، بينما سيبقى مصير الشعراء الأربعة الباقون معلقاً بيد الجمهور من خلال التصويت على الأرقام المخصصة لذلك، وقد ألقى كل من شعراء الحلقة قصيدة رئيسية وقصيدة أخرى هي مجاراة لمعلقة عمرو بن كلثوم «إذا بلغ الفطام لنا رضيعاً-تخرّ الجبابر له ساجدينا».

في قصيدته الرئيسية التي كان عنوانها «الهلال- وهي مقطع من ديوان مقام عراق؛ جمع الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي بين أصناف وصور مختلفة من الشعر بين العمودي والتفعيلة، فبدأ بقافية «الفاء» ضمن ألق البحر البسيط التام بزحافاته التي توازي قول المتنبي «عيد بأية حال عدت يا عيد»، دخل من خلاله أجواء القصيدة التي تقوم على البناء السردي الشبيه بالبناء الروائي الحكائي لأسطورة الدهر ودرته «أرض الرافدين» مستحضراً صوت «ابن مقلة» وتاريخ «ابن الأثير»، في رؤية تقارب الفخر بعيداً عن الأجواء البكائية التي تحيط بهذه الموضوعة.

وقد كان أكثر الآراء في هذه القصيدة مدحاً هو رأي عضو لجنة التحكيم صلاح فضل الذي رأى في الشاعر قامة تطاول منزلة «السياب» و«البياتي»، أما بقية أعضاء لجنة التحكيم فجاءت آراؤهم على غير ذلك، فقال الإماراتي علي بن تميم أن القصيدة تحمل في طياتها بعض «الوقفات العروضية» وعلق نايف الرشدان عليها قائلاً «هناك بعض الهنات اللغوية والخلل العروضي».

أما في مجاراته لمعلقة «ابن كلثوم» فقد اشتغل البرغوثي على السخرية السوداء المريرة من الواقع العربي مشاكساً فيها روح قصيدة الشاعر الجاهلي الذي تعج أبياته بفخر -يراه البرغوثي قد اندثر في مهده- وقد أشعل الشاعر المسرح بقوة الصور، وقد نال الشاعر في نهاية الحلقة على أعلى نسبة تصويت من جمهور المسرح قاربت 66%، ليكون الشاعر الذي رشحه جمهور المسرح.

أما الشاعر السعودي المتأهل جاسم الصحيح، فأهدى قصيدته إلى الوطن في «رائية» تتماهى بالصور الجديدة، ومنها قوله: «هم علقوك على السحاب شعارا-وأنا غرستك في التراب بذارا»، فكان أن علق عليها علي بن تميم بقوله:

لقد قدم الشاعر مفهوماً جميلاً للوطن يتجاوز رؤية الأحادي إلى الرؤية الجمعية، بينما قال عبد الملك مرتاض -بعد أن قدم لقوله سجعاً كعادته- لقد تعددت الصور الجمالية في النص حد الوفرة، وفي مجاراته للمعلقة؛ قدم الشاعر السعودي قصيدة أشار إليها أنها كتبت في زمن الانكسار، فيها بوح ونوح بكائي على ما كان عليه العرب.

وما آلوا إليه فكانت بضمير المخاطب لشاعر المعلقة «ابن كلثوم»: «ذكرتك تطعم الصحراء خيلاً» فكان تعليق صلاح فضل عليها بقوله «لقد بعثت أساليب شعرية جديدة في النص» بينما رأى فيها عبد الملك مرتاض «نصاً يقدم صورة ناطقة لمأساة الأمة».

وخرج الشاعر العماني محمد بن قراطاس المهري على الجمهور بنص يقرب من الحداثة رغم اشتغاله على البحور الخليلية بعنوان «ذاكرة سجين بريء» أهداه لسماء ثانية لذاكرة حرة عن الوطن، كان وجدانياً يبحث في الوجود الشعري عن لغة تحيل البيت إلى صورة معبرة، فجاءت التعليقات من قبل عبد الملك مرتاض «أن النص في بعض أبياته اقترب بصورة جميلة من التناص مع التراث الروحي للحديث الشريف» بينما رأى فيه صلاح فضل «مشهداً جمالياً يبوح بالمسكوت عنه في أوطانٍ يقل فيها سقف الحرية».

فيما جاء تعليق نايف الرشدان على النص بقوله «هناك غموض في النص نحارُ بشأنه»، وفي مجاراته للمعلقة اشتغل الشاعر العماني على «تيمة» ربما لم تلفت انتباه لجنة التحكيم رغم حداثتها، حيث أهدى نصه إلى جميع الأرواح الإنسانية التي قتلتها فكرة الثأر البغيضة بأي شكل كانت، فجاء رأي صلاح فضل -منصفاً للشاعر- حين رأى في القصيدة معارضة رائعة تنبذ العنف والتعصب بكل أشكاله، بينما قال عنها نايف الرشدان «لقد سجل الشاعر في نصه أجمل حضور شعري».

وقدمت الشاعرة العمانية هاجر البريكي قصيدة من الشعر العمودي بعنوان «قلق يمر على المدينة» بقافية «رائية» محكمة الصور وجزيلة اللفظ، فكان تعليق نايف الرشدان على القصيدة «تحفل بالتراكيب الجميلة» ورأى فيها علي بن تميم «محاولة صياغة لحكاية خاصة للمرأة الشاعرة».

وفي مجاراته للمعلقة اشتغلت «هاجر» على صور حداثية تستشف المرارة من واقع العرب وتحكم «أبناء العم سام» بمقدرات الحياة والوجود، فكان رأي صلاح فضل في محله حين قال عن النص «لقد عصّرت الشاعرة الأبيات الشعرية القديمة» بينما قال عنها عبد الملك بن مرتاض «هو نص واقعي يقلب روح النص الأصلي من الفخر إلى رؤية مريرة للوطن والحياة».

وبقصيدة «هذا دمي» الموزونة على قافية «الميم»؛ قدمت الشاعرة الإماراتية هدى السعدي نصاً يبوح بالحس القومي تجاه ما يجري في العراق، واستدعت الشاعرة رموز الأساطير العربية في حكاية «عنترة» و«عبلة» وقد وفقت في الاستدعاء التاريخي للرمز مع حضور الصورة الحديثة، فعلق نايف الرشدان على بنية النص بإيجاز بأن الشاعرة استطاعت بناء نص مميز من خلال «بنية التكرار والحذف» و«بنية الإيجاز المكثفة للرؤية».

ورأى عبد الملك مرتاض في النص «بركاناً وجدانياً يحفل بالصور»، وفي مجاراته للمعلقة؛ لم تخرج هدى السعدي من روح النص الأصلي المليء بالفخر والاعتداد القومي، حين قدمت نصاً بعنوان «لنا العقبى» رأى فيه صلاح فضل مسلكاً شعرياً رصيناً، وعلق عليه «بن تميم» أنه نص بصوت شاعرة يتحدى الصوت الذكوري، وقال عنه عبد الملك بن مرتاض «نص فيه انبعاث وأمل وتحد».

أبوظبي ـ محمد الأنصاري