ازدانت الأمسية الخامسة من فعاليات الدورة الأولى لمهرجان دبي لمسرح الشباب، الليلة قبل الماضية بعرض مسرحية «عرج السواحل» تأليف سالم الحتاوي وإعداد وإخراج حمد الحمادي، وهي حصاد الورشة الثالثة لفنون التمثيل والإخراج في مجلس دبي الثقافي.
وكان الحضور الحاشد الذي تابع مسرحية «عرج السواحل» حتى نهايتها، دلالة واضحة على المستوى الفني العالي للعرض الذي لعب فيه كل من: مروان عبدالله (عتيق)، وأشجان(قماشة)، وناجي جمعة (جابر السواحلي)، وسعود عبد الرحيم(يعقوب)، وعبدالله أنور(سالم).
تتناول «عرج السواحل» حكاية رجل يعيش في وهم الماضي، متغنياً بأمجاد أجداده في مواجهة الاستعمار الانجليزي، مستنكفاً عن التواصل مع واقعه الذي يعيشه، وكأنه يرى في الماضي رافداً لاستمراره في الحياة.
وتعيش شخصية «عتيق» التي يجسدها مروان عبدالله ازدواجية، تتمثل في خوضها عراكاً مع الوهم ، رافضة التناغم مع محيطها الاجتماعي، لذا نراه في صراع دائم مع زوجته «قماشة» (تجسد دورها الممثلة أشجان)، التي تميز أداؤها بتقنية عالية، وأظهرت رشاقة وسلاسة في التنقل بين المشاهد على الخشبة.
كانت «قماشة» تحث «عتيق» على الانخراط في المجتمع ، وكان يجيبها بإصرار أنه من سلالة قاومت الإذلال والإذعان للمحتل ويرفض العمل اليومي.. هكذا تعيش شخصية «عتيق» خوفاً مرضياً من المستبد، ونراه يحاول التخلص من هذا الشعور بالإنصات إلى «جابر السواحلي» (يجسد شخصيته ناجي جمعة).
والذي يخبره عن «تعويذة» أو شيئاً ما من السحر والشعوذة ، ربما يساعدانه في التصدي للمستبد المحتمل.عارضاً عليه ذلك مقابل مبلغ من المال. وهنا تتعقد المشكلة لدى «عتيق» الذي يقرر الاستيلاء على مصاغ زوجته ويعطيه لـ «جابر السواحلي» مقابل هذه «التميمة»، وبعد عراك مع زوجته يتمكن «عتيق من تحقيق مراده، وينجح في الحصول على «التميمة».
ولكن حين يجتاح الرجل المستبد «يعقوب» (يجسد شخصيته سعود عبدالرحيم) دارته، مهدداً إياه بالاستيلاء على أملاكه، يهرع «عتيق» نحو تعويذته محاولاً استخدامها للدفاع عن دارته، واندفع نحو المكان الذي طمرها فيه محاولاً استخراجها، متحدياً تهديد «يعقوب» الرجل المستبد، وإزاء ذلك لا يتورع «الأخير في اقتحام الدار والاعتداء على «قماشة» زوجة «عتيق» الذي لم يحرك ساكناً .
وفي الطرف الآخر يحاول الابن «سالم» (يجسد دوره عبدالله أنور) الدفاع عن والدته من دون أن يفلح في ذلك، فيستكين أمام عجزه، ويعمد إلى ارتداء معطف الأب، وتقمص شخصيته متغنياً بماضيه الغابر وناسياً والدته وهي في قبضة المستبد تصرخ ولا من يغيثها.
إن المشهد الدرامي الذي ختم به المخرج حمد الحمادي مسرحية «عرج السواحل» إنّ دل على شيء فهو يدل على حالة الانفصام التي يعيشها «عتيق»، رافضاً المضي في هذا المستقبل، أو الانخراط فيه، فشخصية «عتيق» لا تجد حلاً في الخروج من التأزم أو مواجهة انكسارها سوى بالاستعانة بالتعويذات القديمة، هذا إن دل على شيء فإنه يشير إلى إصرار «عتيق» في العيش في ماضيه، متناسياً وجود الحاضر بتسلطه، وكأن الحلَّ يأتي بقوى خرافية تسيره، ولا تمت بصلة إلى الواقع من قريب أو بعيد.
ظهرت العملية الإخراجية في مسرحية «عرج السواحل» محكمة ومتينة في كثير من مشاهد العرض، وكان الملفت التعامل مع الموسيقى في السياق المشهدي، والذي أراد منه المخرج حمد الحمادي إضفاء إيقاع حاسم لصالح المشهد الدرامي. ولعل التوظيف المتقن في التعامل مع السلم الموسيقى في المقطوعات المنتقاة ضمن «عرج السواحل»، جاء حاسماً لمصلحة النص، وهذا ما خدم العرض مضفياً عليه نكهة خاصة.
آراء وأفكار في الندوة التطبيقية والفكرية
شارك في الندوة التطبيقية حول العرض المسرحي «عرج السواحل» كل من المخرج العراقي محمود أبو العباس والدكتور عز الدين هلالي المسؤول عن المسرح المدرسي في وزارة التربية، ومعد ومخرج العمل حمد الحمادي.
واستهل الكلام محمود أبو العباس معرفاً بعز الدين الهلالي، ومنوهاً بتجربته طويلة الباع في هذا المضمار، مثنياً في الوقت ذاته على العمل، وما له من دلالة على حياتنا اليومية، متسائلاً عن مدى ترابطه مع الواقع المعاش.
ثم تحدث الدكتور عزالدين الهلالي عن أهمية الورش التجريبية، وكيفية نقلها وتجسيدها النص على خشبة المسرح، متمنياً أن يؤدي ذلك في دورات لاحقة إلى وجود مسرح شبابي متميز. وتساءل الهلالي حول جدوى الإعداد لنص هو في الأصل لكاتب إماراتي، متمنياً لو كان الإعداد لنص وكاتب من بيئة أخرى.
ثم تناول الهلالي موضوع «عرج السواحل» للكاتب سالم الحتاوي، وأهميته ومغزاه مشيراً إلى أن المؤلف أراد منه الإشارة إلى الاستعمار واستبداده. ورأى الهلالي أن المخرج اعتمد على الإنتاج الصوتي في العمل ما جعل صوت الشخصية يتصاعد في مطرح، وينخفض في مطارح أخرى، وهذا الإنتاج الصوتي هو من أجمل جماليات العرض في فن التمثيل.
وتطرق الهلالي إلى الموسيقى أو ما يسمى بالمقام الموسيقي، متمنياً لو أنه وظف لصالح العرض أكثر، حيث جاء في كثير من الأحيان غير متناغم مع حركات المسرحية وأبعادها، واعتبر الهلالي أن المخرج لم يركز على بؤرة الرؤية في المشهدية المسرحية، وهي حركة النقاط ودلالتها.
وفي مداخلة للمسرحي العراقي كريم التميمي، رأى أن الممثلين قاموا بدور ملفت في العمل، متمنياً في الوقت ذاته لو أن المخرج تفادى بعض الهفوات في عرضه، مشيراً إلى باب الدار، وعدم توظيف دلالته بالصورة المعروفة، وكأنه مشاع للكل للداخل والخارج معاً.
ورأت باسمة أبو شعبان بأن المخرج والمعد حمد الحمادي نجح في تكثيف النص بحيث كان مقروءاً في مشاهده كافة، مثنيةً على أداء الممثلين بالقول إن هذه المعالجة المسرحية كانت أجمل ما أفرزته هذه الورشة.
وعلّق المسرحي حسن رجب على العمل قائلاً إن المعدَّ للنص حذف الكثير من الأشياء المهمة، والتي لها دلالتها، متسائلاً عن جدوى حذفها، الذي جاء في غير محله، ثم تناول موضوع الإضاءة، وعدم استغلالها لمصلحة المشهد الدرامي، ورأى رجب أن المخرج لم يستغل مساحة الصوت، وأبعاده ما أفقد العمل مغزاه، ورؤيته الفنية، وأثنى أخيرا على أداء الممثلين.
وفي مداخلة لرئيس اللجنة المنظمة للمهرجان عمر غباش، أكد أن هذا المهرجان يشكل حركة مسرحية مهمة، وسيكون رائداً في هذا السياق، ليفتح المجال في المستقبل القريب لنشوء حركة مسرحية رائدة، ثم أثنى على دور المخرج في إظهار هذا العمل على هذه الصورة، متوقفاً عند الحضور المميز لكل من مروان عبدالله وأشجان.
وركز غباش على أهمية الإضاءة واستغلالها في أماكن ذات دلالات تشي بالبعد الخلفي لمصلحة المشهد الدرامي، مشيراً إلى الإضاءة المركزة التي أضفت على العرض جمالية خاصة.وأبدت الفنانة فاطمة البلوشي إعجابها بالعمل المقدم، إذ أنه يحمل المواصفات العالية للفن المسرحي.
ومن جهته، أجاب المخرج والمعد حمد الحمادي على التساؤلات والمداخلات التي قدمت شاكراً الحضور، وأوضح أنه رغم ضيق الوقت، تمكن من تقديم هذا العمل بالصورة المرضية، ورأى أن الحضور المميز للممثلين مروان عبدالله، وأشجان كان له الدور الرئيسي في نقل رؤيته الفنية.
وعبر عن تقديره في الوقت ذاته لتفاني مروان وأشجان لأنهما عملا بلا مقابل مادي، وفي نهاية الندوة توجه الحمادي إلى الجمهور واعداً بتقديم أعمال متميزة في المستقبل القريب.
دبي ـ سامي نيال
