يقدم مجلس الثقافة العام في الجماهيرية العربية الليبية مجموعة من إصداراته المتنوعة في مجالات الإبداع الأدبي والفني المتنوع بهدف إثراء الحركة الثقافية، من خلال رفدها برصيد جاد ومميز يضيف جديدا إلى فضاء المعرفة الإنسانية، ويسهم في نشر المعرفة وتنمية الذائقة الجمالية.

ومن حقل الشعر نلتقط ثلاثة دواوين، نتعرف بأولها إلى خديجة بسيكري من خلال مجموعتها (غجرية) وفيها تنويع لمشاعر امرأة تلملم أحلاما مبعثرة، ولحظات معارة لليل عند نافذة من رعب، إلى جانب فتاة تستجدي الوقت، وذلك عبر نصوص من (قصائد النثر) تقترب من فن الخاطرة، موزعة على 33 عنوانا، ويأتي نص (غجرية) لتختزل فيه بسيكري اللغة، وتكثف الدلالات على المعاناة المبكرة،

والهم العاجل، الذي يهيمن على العمر الوردي، وهو لم يكد ينهض بعد إلى الحياة لتقيده المسئولية، كما تصور بسيكري الأحلام الصغيرة اللامتناهية، ومنها تلك التي تبقى عمرا وهي متعلقة بكلمة، ولو كانت كلمة في رسالة. نجتزئ منه (وبرغم/ العشرين عاما/ في مدينة الصلب/ تنزلق في النوم/ المسافة لديها/بين الكلمة .. والكلمة/ مختصرة../ في ضحكة بدائية/ مرتعشة بنعام مزروع/ في وسائد المبكى/ يغريها بالنوم) (مصباح صغير... ص35). أما في (امرأة التسعين) فثمة تفوق وجداني،

وامتداد إنساني، يتركز في التعبير الموجز ذي المعاني العميقة إذ تقول: (... ثعبان متعفن/ على جبين/ امرأة في التسعين/ كعلبة حلوى فارغة/ هناك/ منسية ص33.) ويمثل كل عنوان لنص بسيكري ترجمة واضحة تعكس بها مضمون المتن، الذي يعبر عن حجم الأذى والحزن والألم والكآبة التي يصدرها الواقع في صور خيبات وورطات وهجر وفقد ووحدة وفراغ، مما يؤدي إلى الاختلاف مع ذلك الواقع ورفضه، خاصة أنه يكرس سياسة الصمت على الغبن والضيم.

نقرأ بسيكري من خلال 33 نصا، يتفاوت بينها مستوى المهارة في توظيف الأدوات، إلى جانب جمعها بين أكثر من أسلوب فني وذلك ضمن 80 صفحة من القطع الصغير. كما نقرأ عبد الوهاب قرينقو من خلال مجموعته (مزيدا من الغزل) التي لا تخرج عن نمط الشعر الدارج أي قصيدة النثر؛ إلا أن العبارة عند قرينقو أكثر صراحة ووضوحا،

واللغة لديه أكثر رشاقة، تميل إلى البساطة الممتعة، نقرأه في 27 نصا، يبدأها بـ (رفيف) ويختمها بـ (حي على الفرح!!) حيث يقول: ( ليتنا في زحمة الطريق الوعر الآتي/ نختلس للضياء منفذا،/ ونرسم على جبين المساء وردة./ يخضر نسغ القلب/ كلما ابتسامتك/ خربشت على كفي قبلة/ وتتنفس من حولي المدينة/ كلما محوت بضحكتك نوبة بكاء./... ... ولكن/ لماذا حينما تفعلنا الحياة/ ترتدين قول الموت؟!/ هيا../ صلي لروح الطفلة فيك/... واصلي،... تهجأي إن شئت، ورددي معي/ ألف/ باء/ المسرة. ص88).

ثم يقدم مجلس الثقافة العام صلاح البدري بمجموعته الشعرية (خلعت الطين) ولعله الوحيد المتمسك بالشعر التقليدي؛ لكنه ينوع بين الشعر العمودي وقصيدة التفعيلة، في نصوصه، التي حملت عشرين عنوانا، بدأها بنص عمودي بعنوان (قدحت الزند) وختمها بقصائد التفعيلة، ومنها نص بعنوان (تواصل). وتقتطع من قدحت الزند قوله: (أنا ما زلت أستسقي الهشيما/ حليما أحلب الغيم العقيما/ وليلي كافر بالنور أرخى/ سدول الصمت جبارا أثيما/ قدحت الزند يوما ثم ماذا/ لهيب الأمس صيرني جحيما ... ص. 7).

ولعل البيت الثالث يحمل فكرة النص التي وفق الشاعر في تصويرها، حيث أشعل زنده، أو يده كاملة وليس أصابعه فقط، ثم يتساءل عن النتيجة وعما جناه بعد ذلك. هكذا نقرأ للبدري عشرين نصا يقول في آخرها (.. مرصودا/ في ستة أبحر/ روحا تتجمع/ تتبعثر/ تتناثر/ حبات من عنبر/ وتجاعيد الجدة/ تتقاطع في حدة/ ترمي آخر قطعة/ تسقط آخر دمعة/ لم يتبق يا أولادي إلا إطفاء الشمعة. ص. 92)

فاطمة محمد الهديدي: