الفنان: رشاد مصطفى (1911 ـ 1995) تمثل هذه اللوحة جانباً مهماً من تجربة الفنان السوري رشاد مصطفى، الذي تعلم الفن بنفسه ومارسه باجتهاد، مستفيداً من زمالته للفنانين الأوائل أمثال (توفيق طارق) وغيره.
كرس هذا الفنان تجربته الفنية لموضوعات الطبيعة والطبيعة الصامتة والوجوه، وكانت صياغته الفنية وأسلوبه، في لوحاته كافة، واقعية كلاسيكية ملحاحة على التفاصيل الدقيقة، بحيث وصلت في بعض أعماله التي صوّر فيها الزهور والفواكه والمناظر الطبيعية الخلوية إلى حد الإدهاش لشدة تطابقها مع الواقع.
تمثل اللوحة أمه وهي في وضعية سائدة ومعروفة في اللوحات الوجهية، عالجها الفنان مصطفى بألوان كامدة، وكأنى به يريد أن يعكس خريف العمل الذي كانت تعيشه والدته أثناء تنفيذ اللوحة.
وهذه الألوان تتوزع الخلفية والوجه والثياب، ولكي يبرز الفنان الرأس من الخلفية الغامقة، أحاطه بقمطة بيضاء اللون، ساهمت بفصله عن الخلفية، وأكدته في آن معاً، وهذا ما فعله في الوجه والثياب.
حيث جاءت الألوان فيها بنية فاتحة موشاه بخطوط عرضية متقطعة، ونقاط عشوائية تغطي كامل مساحة الثوب، ما جعل الوجه والثوب يبرزان من الخلفية بهدوء وانسجام، كونه تعمد ترك اللون الأسود الموجود في الخلفية، يتغلغل بين ثنايا الثوب والشعر وملامح الوجه،هذه العملية، متنت علاقة التكون المؤلف في الرأس والجذع بالخلفية، وربطتهما ببعض، وخلقت حالة لافتة من التوافق التشكيلي والتعبيري.
لقد برع الفنان رشاد مصطفى في التقاط الملامح والتفاصيل، وصاغها بنوع من الواقعية التسجيلية المتماهية بالتطوير الضوئي. إذ قد يختلط على المتلقي، تمييز هذه اللوحة المرسومة بالريشة، عن الصورة المنفذة بالكاميرا، ومرد ذلك براعة الفنان في تصوير أدق التفاصيل وأصغرها في الوجه المتغضن الملامح، الشارد النظرة، الشرقي السمات، ما يؤكد تمتعه بالموهبة التي تبلورت وتصعدت ونضجت، بفعل الممارسة والاطلاع.
د. محمود شاهين