العصفور والغابة
في كل مرة يُبهجني حطاب الغابة بومضاته الجميلة ؛ فأنصتُ كثيراً وأسأل مفتخراً بلغة المعلم الجليل وبهاء جملته الأثيرة.
حدثني حطاب الغابة قائلاً:
«أنت تبحث عن السيرة الأبدية لحطابٍ مجهول في غابة شائكة »
«أني أبحث عنك يا معلمي حسب..»
«وماذا تعني سيرةُ عصفورٍ صغير في غابة مترامية الأطراف؟»
«تعني أن العصفور عاش في هذه الغابة المخيفة..»
«الغابة كبيرة وشاسعة يا صديقي ، تلد في اللحظة الواحدة آلاف العصافير ، والعصفور الواحد لا يعني الغابة كما إنه لا يعني فصيلة العصافير ..»
هززتُ رأسي :
«نعم يا معلمي .. كما الشجرة فإنها شجرةٌ حسبُ ولا يمكن أن تكون غابة..»
«أظنك فهمتَ المغزى والمعنى..»
«فهمتُ يا معلمي .»
استطرد حطابي الكبير:
«الشجرة الكبيرة هي غابةٌ بالنسبة إلى عصفورٍ صغير..»
تساءلتُ :
«وغابةُ العصافير ؟»
«لا تعني شيئاً للشجرة ..»
«لكنها غابة يا معلمي !»
«هي غابةٌ متحركة جذورها الهواء والسماء والأغصان النحيفة ، غابة غير مقصودة. تُكونها أجنحة من ريش وسقسقات موصولة وأحلام رهيفة ، لكنّ صقراً طائشاً يفرقها بلمح البصر.. هل فهمتَ ؟»
أطرقتُ قليلاً وتمتمتُ:
«فهمتُ يا سيدي؛ إذْ لابد أن أفهم».
الحجارة والحصاة
تضرعتُ إليه:
«حدثني أيها الحطاب عن وقت سعيدٍ مضى ووقتٍ سعيد سيأتي.»
«امسك الحجارة من وسطها .»
«وما الحكمة يا معلمي ؟»
«وامسك الحصاة كلها.»
«وما الحكمة يا معلمي؟»
«سعادةُ الحجارة أن تعرف قوة راميها . وسعادةُ الحصاة أن تستقر بين أصابع الرامي قبل أن تقتل العصفور.»
«كيف ؟ لم أفهم .»
«حتى لا تشعر الحصاة أنها ارتكبت الجريمة وحدها!»
«ولماذا الحصاة تقتل العصفور بالنتيجة؟»
«لأن العصفور يتوقع أن لا يموت!»
«وهل هناك من حكمة تالية؟»
«ألاّ تكون الحصاةُ حكيمة ولا الحجارة».
«كيف يمكن للجماد أن يكون حكيماً؟»
«حكمة الجماد من حكمة الخلق».
«لكنه لا ينطق. لا ينفعل. لا يبوح بسرائره».
«النطقُ رد فعل والصمتُ أبلغ».
«هل ينبغي أن نخاف من الصمت؟»
«ينبغي...»
«لماذا ؟»
«الناطق مدعٍ. كذاب. مخاتل. مراوغ. سافل. مجرم. مخرب. متحزب. عبثي. مُلاسن. غامض. إباحي. لص. أما الصامت فهو: أكثر من هذا......!!»
سكتُّ