1. السرطان يخرج من ثقبه:
يطيب للسرطان أن يغادر ثقبه، كلما حلّ نهار مثالي كهذا النهار من صيف المخطوفين. حذر صوت محمول على سيارة متجولة في الشارع الساحلي السكان المدنيين من التجوال، فتهيأت سراطين الساحل وسلاحفه وحلزوناته للخروج من ثقوبها والاحتفال بيومها المجفف بشمس المحجورين في ثقوبهم الأرضية.
لمح السرطان عندما استوى على الصخرة التي تعلو ثقبه صاحبه الصياد الذي يدلي قدميه قرب حافة ثقبه: (صباح الخير أيها الرجل الوحيد). حيّاه ثم اقترب منه بمشيته الجانبية المنحرفة عن مشية ذوي الاثنتين، وصفعه على ظهره: )أراك يا صاحبي خرقت أوامر بني جنسك ونغصت على أهل الماء فسحتهم الوحيدة لتنسم الهواء الطلق(. لم يعقب الصياد بكلمة، بل مال وهوت جثته المحنطة إلى قاع النهر: )هذا فأل سيء( خاطب السرطان نفسه: )لأذهبن وأزر أم الطفل المخطوف الوحيدة في منزلها(.
من حسن الحظ، أن بيت الطفل المخطوف يقبع عبر الشارع الساحلي، في نهاية درب فرعي يتلولب بين جذوع النخيل وأشجار المانجو التي صلبها الصيف لحراسة درب الطفل المخطوف، غير أن الجذوع المتقاربة ترتجّ الآن تحت هوي الطائرات المدوي على القمم المتشابكة في ظل مديد مفروش تحت أقدام السرطان. أسرع السرطان متمايلاً، منتعشاً بقطرات الماء القليلة المختزنة تحت قشوره، مفكراً بثقوب السماء التي تنطلق منها السمكات الطائرة، وأسباب انزعاجها وهديرها وتحليقها على رؤوس البشر المحشورين في ثقوبهم.
تخيل السرطان الشمس تشوي هذه السمكات في فرنها المتقد، كما يشوي البشر مخلوقات الماء في محارقهم، ثم حول عينيه الخضراوين إلى طبق البسكويت الذي تخبزه أم الطفل المخطوف في مطبخها وتضعه على حافة الشباك بانتظار زيارته لبيتها، وكان هذا البيت أقرب الأماكن إلى ثقبه وأحبها إلى نفسه المائية المغلفة بالقشور الخشنة.
نفذ السرطان من بوابة السياج الخشبي الواطئة، وسار نحو شباك المطبخ المطل على ممر السياج. توقف وخاطب حظه: )ليتني لم أخلق قبيحاً مفلوجاً في نظرها(. ثم نظف أقدامه من تراب الطريق وأشواكه، وتسلق حافة الشباك.
شاهد السرطان من خلال قضبان الشباك أم الطفل المخطوف تتنقل في مطبخها، يتبعها مواء هرتها البيضاء، وصرير مروحة السقف في نهاية ذراعها الطويل: )ما أبشع هذه السكين الدائرية( همس السرطان: (ليتها تلمحني قبل أن أخاطبها). تجولت عينا السرطان في أرجاء المطبخ فلاحظ الأشياء لم تتحرك من مكانها: الصندوق الأبيض للثلاجة، وطاولة الطعام، وحوض غسيل الصحون، واللوحات الجدارية، وبينها صورة الطفل المخطوف في عامه العاشر الذي لم يغادره. وفي الزاوية البعيدة للشباك لحظ السرطان صندوق التبرعات في مكانه المعتاد إلى جانب كتاب الأدعية السميك.
ـ (صباح الخير سيدتي الوحيدة).
ـ (أها. هذا صغيري الأخضر ذو القشور. انتظرناك وخبزنا لك بسكويتاً محلّى).
أقبلت أم الطفل المخطوف تزنّر مئزراً أبيض حول وسطها، متبوعة بهرتها، ووضعت طبق البسكويت تحت فكي السرطان القاطعين.
ـ (في الحقيقة يا سيدتي فإني أبلغ من العمر ثلاثين عاماً، وأنا أكبر اخوتي).
ـ (حقاً ؟ وكيف لنا أن نحزر أعمار السراطين؟).
ـ (من أحجام الثقوب يا سيدتي).
ـ (يا للطريقة المدهشة! وهل نحسب أعمار الهررة والكلاب من ثقوبها ؟).
ـ (لا، لكل نوع حساب خاص).
ضحكت سيدة البسكويت، وقالت: (عجيب أمركم، مدهش يا صغيري، أقصد يا صديقي).
ـ (لا تكترثي. إذا رأيتنا صغاراً فقد بدا صغيرك المخطوف في عينيك طفلاً لم يكبر عاماً. هل جاءك خبر عنه ؟).
ـ (سمعت أن ساقه كسرت ووضعت في جبيرة. ربما كانوا يعذبونه).
ـ (يا للفظاعة! لا تصدقي ظنك هذا. فلعله كان يلعب الكرة مع خاطفيه، ولا يعدو الحادث عثرة قدم).
ـ (مضى عام على اختطافه. وكلما انقطع أملي من عودته رسخ عندي أنه صار واحداً منهم. سمعت أنهم عصابة من الأحداث صغار السن).
ـ (سأتحرى لك عن العصابة من أصدقائي صيادي السمك).
ـ (يا لسذاجتك. هؤلاء لا يبارحون أماكنهم على الساحل أبداً).
ـ (نعم. كما تقولين. هل لي بطبق آخر من البسكويت؟).
نهضت أم الطفل المخطوف من الطاولة، وملأت طبقاً بكسرات البسكويت من الثلاجة، وفي أثناء ذلك تسلق السرطان كتاب الأدعية السميك وأسقط في شق صندوق التبرعات درهماً قديماً التقطه من الساحل.
2. السرطان يخطب في أهل الشاطئ:
مضى ثلاثة أعوام على اختطاف طفل سيدة البسكويت، حينما دعا السرطان الكبير اخوته وجيرانه إلى ثقبه، فاجتمع خلق كبير من سكان الثقوب في الشريط الساحلي الذي انحسر عنه الماء في ذروة الجزر الليلي للنهر. كان القمر منيراً أراق ضياءه على بساط النهر المنحسر وصخور الشاطئ المبعثرة وظهور مخلوقات الماء المدرعة، وفاجأ السرطان حال خروجه من ثقبه فاتقى الضياء الغامر بذراعيه.
تجاوبت المخلوقات المجتمعة مع حركة السرطان الكبير، فتقافزت في أمكنتها وعمّت الشاطئ قرقعة احتكاكها بالرمل والصخور، قطعها السرطان بصوته الخشن المغرغر:
(صديقاتي السلحفيات المحبوبات، جاراتي الحلزونيات الرقيقات، وأنتم يا إخوان السرطان، يا ملائكة النهر وملوك الشاطئ، دعوتكم لأفضي إليكم بوصيتي الأخيرة. غزت فيروسات الثقوب قنواتي، وغطى المخاط قشوري، وأخشى فكوك المرض تمزقني، وتلفظني الأمواج جثة مقطعة إلى نفايات النهر) ضجّ الجمع المتلاطم على الشاطئ: لا لا لا.
استغل السرطان الخطيب فترة الهتاف وارتقى صخرة كي يشرف على المخلوقات المحتكة المهتاجة، ثم واصل خطابه:
(أجل، علاماتي مميتة، ومرضي يتفاقم، ومخاطي يرشح من قنواتي كما يسيل الحليب من ثدي أرملة محبوسة خلف شباكها. أنتم عليمون بمثل هذا التشبيه.
ومجساتكم التي أطلعتكم على أسرار الغرقى ومجازات العشاق الضالين على ساحلكم وخوارق الستار الأسفل، ستكشف لكم عن علامتي القاتلة، فهي من نوع هذا الشيء الخارق الذي يستعصي على فهم سكان العالم الأعلى. إنه شيء مثل ثدي يسيل ويسيل حتى يغرق صخور الشاطئ بمخاطه الحليبي. هل هجستم ما أعني بخطابي ؟( ارتجت مخلوقات الشاطئ هاتفة: نعم نعم نعم. لا لا لا.
(لو شخصتم بأبصاركم أعلى الضفة إلى درب فرعي يتصل بشارعنا الساحلي، وانتهيتم إلى بوابة خشبية في سياج واطئ، ثم اقتربتم من شباك في واجهة منزل تظلله الأشجار، وأبصرتم سيدة المنزل في مطبخها، لوصلتم إلى حقيقة الشعور الذي يجرني إلى هلاكي.
تخيلوا زياراتي إلى منزل السيدة الوحيدة، وتناولي البسكويت من طبق تضعه السيدة على حافة الشباك الداخلية، زيارات قصيرة متباعدة نتبادل خلالها الحديث عن ابنها المخطوف، أجل ابنها الوحيد منذ ثلاثة أعوام. إني على أتم استعداد لافتداء طفلها المخطوف بحياتي وتخليصه من أيدي العصابة التي تحتجزه عندها.
أخرج في الليالي المقمرة وأبحث عن قطع النقود المرمية بين صخور الشاطئ، ثم أعكف على تنظيفها وإيداعها صندوق التبرعات الذي تجمع فيه السيدة فدية ابنها. هل أخطأتُ حين أوقعتني سيدة البسكويت في فخ شباكها؟ هل ذقتم طعم البسكويت المغموس بالحليب والسكر؟) عاد الجمع وضج تحت القمر المنير: لا لا لا. نعم نعم نعم.
بقيت في رمق السرطان الغارق في مخاطه غرغرات وشخرات ينقلها إلى جماعة الشاطئ، ثم يأمر بانفضاض الاجتماع، حين دهمت الساحل موجة زئير عالية أرعبت المخلوقات المجتمعة وفرقت شملها قبل الأوان. أطلق السرطان آخر رشقة من رذاذ خطابه: (العصابة، العصابة). أسرعت السراطين إلى ثقوبها، ولاذت الحلزونات بقواقعها، وأدارت السلاحف دروعها وانسرحت تحت بساط النهر المنكمش بلمسات القمر.(العصابة، العصابة). أفرغ السرطان مخاطه وأسرع إلى ثقبه.
توقفت الموجة المزمجرة في أعلى الضفة الصخرية، وترجل خمسة فتيان عن دراجاتهم النارية وهبطوا سلم النهر متتابعين إلى رمل الشاطئ. ميز السرطان المتلصص من ثقبه صبياً ممشوقاً تقدم أصحابه وخاض في الماء حتى وصل ركبتيه، فتبعه الآخرون ضاحكين. كان هذا الطفل المخطوف، كما يتذكر السرطان ملامحه الجريئة من صورة المطبخ، وقد رسم شعاع القمر هالة حول شعره المتناثر. التفت الطفل المخطوف وصاح بأصحابه: (لنشعل النهر. لنفجر القمر. لنجرب لفافاتنا هنا).
أخرج الطفل المخطوف لفافة طويلة من جيب بنطاله، وأشعل فتيلتها ثم رماها بعيداً. ورمى الفتيان رميتهم بعده، فانشق بساط النهر واندلعت أحشاؤه الممزقة وهوت متناثرة قطرات ذهبية سائلة. قفز أولاد العصابة فرحاً بالانفجار، وتراشقوا بالماء، ثم عادوا إلى الساحل راكضين. قال الطفل المخطوف: (هيا نواصل احتفالنا في بيت الوالدة. ستشهدون على مهارتها في صنع البسكويت المحلّى، وتقبلون أصابعها. وستسرون كثيراً بحديثها).
زمجرت الدراجات على الشارع الساحلي، وانطلقت عاوية هادرة، ثم انعطفت بالعصابة في درب الطفل المخطوف، وعاد السكون إلى شاطئ السرطان المتوحد في ثقبه.