أحياناً أتوق إلى تغير المكان وساعات العمل ذلك أن أجواء البيت تجعلك في دوامة لا تعرف الاستقرار، وعقل مشحون بالمواضيع والهموم حتى أن ساعة راحة مع فنجان القهوة تتعيد ذاكرتك وتطلق العنان لقلمك في مواصلة الرحلة مع الحروف.
هذا ما يحصل معي دائما فأرجع لطقوس الكتابة مع صديقتي التي تحمل معي هم الكتابة وتتفق معاً على تغير الأجواء واغتنام فرصة اللقاء، فنتبادل الآراء حول شتى المواضيع سواء كانت شخصية أو اجتماعية. صحيح أن أصحاب القلم يفرغون هذه الشحنة من خلال قلمهم ولكن في أحايين كثيرة نحتاج إلى دفع لهذه الكلمات وتفريغها لصديق يحمل نفس الهم. اتفقت مع صديقتي للخروج إلى المدينة بحثا عن مكان نلتقط فيه أنفاسنا ونتابع منه إيقاع الحياة.
توافقنا على المكان وتهامسنا الحروف مع القلم وفنجان القهوة، فسارت الدقائق بنعومة، ومضت بنا السيارة منسابة نحو المعاني.. ولكن مع الأسف وجدنا أنفسنا فجأة في قلب الزحام.. السيارات تحيط بنا من كل الجهات والمشهد لا يوحي إلا بالندم على الاستعجال في قرار الانتقال إلى مكان آخر.
أحدهم كان يضرب مقود السيارة بكلتا يديه كأنه أصيب بلوثة.. آخر كان يتصرف كالمعتوه.. لعله رفع صوت المذياع وأخذ يغني وكأنه على خشبة المسرح والجمهور يصفق له.. الثالث يصرخ في زوجته فيما يتقافز الأطفال وسط حافلته الصغيرة، لكن المشهد الأغرب رايته في تلك اللحظة. امرأة التي كانت تبكي بكل بساطة ! !.. لا ادري لماذا تبكي ؟هل بسبب الزحمة أم لأسباب أخرى؟ هذه المرأة جعلتني أسرح معها.
وجدت فيها نفسي.نعم كنت ذات مرة في طريقي إلى أبوظبي في مشوار عمل، وكنت قد فتحت المذياع وسمعت صوت المنشد أحمد بوخاطر: لسوف أعود يا أمي أقبل خدك الزاكي، وكان وقتها ابني مسافراً ولم أره منذ سنتين.. وجدت نفسي أبكي بكل عاطفة الأمومة وحتى خرجت عن المسار، ولاحظت أحدهم ينبهني ويشير بيديه متسائلاً: ما بك؟، ارتحت قليلا بعد أن ذرفت هذه الدموع، وفجأة سمعت صوت صديقتي: أين أنت هل أنت معي ؟.
أنا وصديقتي بدأنا بتبادل الاتهامات.. فهي التي أشارت لي بالخروج في هذه الساعة بالذات (السابعة والنصف مساء ).. لكنها ردت بالقول: أنت التي سلكت هذا الطريق المزدحم.. ورحنا نخوض في جدل عميق كاد أن يفضي إلى خصومة.
في لحظة صمت واستسلام تام للزحام القسري الذي فرض علينا قطعا تذكرت أن سعر البنزين ارتفع في الآونة الأخيرة.. واشتعل معه سعر كل شيء في البلد.. ورأيت بعين الذاكرة المواصلات العامة في المدن الكبرى بالعالم.. وحلمت بالمترو أتجول فيه ومعي كتابي الأثير.
لكن الأحلام سرعان ما تبخرت أمام الحقيقة.. فأنا وصديقتي ما زلنا في قلب الزحام، ولن تنفعنا الآمال ولا الصراخ أو مشاهدة تصرفات المتورطين أمثالنا. صحيح أننا وصلنا أخيراً إلى البيت فيما ضاعت نكهة القهوة، ولكن في الحقيقة الأنصع تتمثل في إمكانية كتابة نصوص إبداعية على هامش المشهد.
عدت
من الممرات الطويلة
بحثت
عن قمر تائه
يغتال
في عينيه
الأمس القريب
أسماء الزرعوني