أقام اتحاد كتاب وأدباء أبوظبي أمسية تأبينية في أربعينية الشاعرة الراحلة نازك الملائكة وقدمها الشاعر الدكتور محمد ولد عبدي الذي عرف بشاعر الأمسية الأول حبيب الصايغ واصفاً إياه «بأنه احترق بالشعر، وشكلت تجربته إضافة مهمة للساحة الإماراتية، والخليجية».
وقبل أن يلقي الصايغ قصيدته قال: «على مدى أيام الزهور، لم يفضح الشعر السياسة كما هو حادث في العراق، الشعراء العراقيون خارج الوطن يحيون فيه، كل نبضة في العراق في الشعر، والحب، والحياة هكذا قال السياب، والبياتي، وقالت نازك الملائكة أخيرا».ليقرأ من بعد هذا التقديم قصيدة «الشاعر» وهي مهداة إلى الملائكة في ذكرى أربعينيتها، وفيها قال:
لم يطر طائر الموت/ إلا ليصفعني بجناحين من غربة وعويل/ أنني مطلع الوهم/ قاتلت قتلاى بعد انتشار الدماء/ وكنت أول القاتلين/ وقافية القتل/ لام التوغل في الحرب بين مديحين.
كما قرأ الصايغ من بعدها مجموعة من القصائد القصيرة جمعها بأنها كما قال: «إلى نازك» لتتوالى من بعدها العناوين (مثل نجمة، شراع، النمور، نجمة ثانية، البذور، الأسماء، الخيل، نجمة ثالثة، السؤال، الهواء، والمصعد). ومن الشعر إلى النقد حيث قدم الدكتور حاتم الصكر مداخلة نقدية أشار في بدايتها:
«أفق نازك العربي معروف، وشاء القدر أن تبدأ من مصر وتنتهي في مصر، وربما كان اختيارها لعنوان ديوانها «شظايا ورماد» تنبئ لما حدث في حياتها فيما بعد من زواجها المتأخر ودراستها للموسيقى، واللغة اللاتينية، هذا التشظي الذي اختارته منذ كان عمرها 23 سنة كان نبوءة للشاعرة في مسيرتها الفكرية، لتكون فيما بعد الصوت الشعري، الخاص بها لنرى في الأربعينات أن الفاصل كبير في شعرها، فنازك كانت تتصف بالوعي، وتدافع عن ريادتها».
و أكد د. الصكر: «بأن نازك مثلت جزءا بحدود التجديد، وأضافت الكثير إلى الشعر العربي، نتيجة تراكم كمي من المؤثرات لأنها قارئة عميقة تقرأ الهوامش، وتقرأ الموشح، والشعر الأجنبي، وكانت تقول: «إن الشكل من الممكن أن يتجدد خارج الموضوع نفسه، فالشعر الحر أخذ مكانه في الأربعينات ووقتها تفتحت تجربة نازك، وأخيرا إن ما تركته نازك في تأنيث القصيدة، يجعلها صاحبة هذه التجربة بجدارة».
وتتوالى القراءات الشعرية التي تعود للشاعرة نازك الملائكة بأصوات الشاعرة هدى السعدي، ونعيمة حسن فمن قصيدة «الرحيل» سمع الحضور سنرحل لاح صباح عميق وراء السواد/ ولم يسبق إلا ضباب خفيف يلف الوهاد/ ويحلم مكتئبا في عيون طواها السهاد/ وصاغت مع الليل أغنية الرحلة القادمة/ إلى أفق كوكبي الستور/ يمد جذور. ومن أجواء الشعر إلى النقد وتفسير تجربتها الحاضرة أبدا حيث قدم الزميل الشاعر سامح كعوش مداخلة نقدية بعنوان «نازك الملائكة كتبت للموت قصيدة اشتياق فأبى إلا أن يعذبها» قال فيها:
«نازك الملائكة رحلت عنا بعد خمس وثمانين من السنين الحافلة بالقلق، الرائية إلى الموت، فنازك الملائكة عاشت احتفالية الموت، منذ تكون جنين الشعر في رحم معاناتها، ليتلون بالسواد شكلا لقصيدة لم تكتمل مع أن الموت أمهلها العمر كله، إلا أن الملائكة أقامت علاقة جميلة مع الموت، لا تشبهها علاقة الشعراء به، فقد كان نقيضا لتوقعاتهم في الحياة، بينما كانت نازك تخاطب السماء بالحكمة، وترجوها التدخل الرباني بعدما أعياها ظلم الإنسان أخيه الإنسان، فأسلمت قيادة نفسها لليأس، وفرغت يداها من حيلة سوى هذا الشعر الذي ترسم من خلاله الكون بكلماتها، ولا تعول على حكمة البشر إلا قليلا، تقول في قصيدتها «بين يدي الله»:
جئتك الآن يا إلهي ومالي/ غير قلبي ونغمتي من شفيع/ أنا من رسمت مأساة هذا الكون/ شعرا رويته بدموعي. كما أكد كعوش «إن احتفالية الموت عند شاعرة جعلتها تعيش الحياة موتا رائيا، تقمصت روح طرفة بن العبد وموته المبكر، كما استعادت تجربة الموت في السابعة والعشرين عند أبي القاسم الشابي واستعارت منه حكمة العمر القصير والعلاقة الحكيمة بالموت في صخب بهائه وعلانيته، وشدة أثره في خطوات الشاعر الإنسان نحو حتفه بكل إصرار على التحدي وكل قدريته المؤمنة».
وقال الشاعر ذياب شاهين: «لا شك أن قراءتها الفلسفية وإطلاعها على الشعر الإنجليزي، هما من ألهماها وفتحا عينيها على جوانب مهمة من الحياة المضنية منها والمظلمة، حيث تقول نازك عن فلسفتها في تلك الفترة، إنها ضمن رؤيا شوبنهاور الفيلسوف الألماني حين يقول «لست أدري لماذا نرفع الستار عن حياة جديدة كلما أسدل على هزيمة وموت «وغيرها من أقوال شوبنهاور».
لكن عند حلول العام 1950 اختلفت تجربة الملائكة عن هذا قال ذياب شاهين:
«إن الشاعرة قد تطورت تطورا كبيرا عما كان أيام نظمها للمطولة فمواردها الأدبية صارت أغزر وثقافتها باتت أغنى حسبما تقول هي وبهذا الخصوص أورد شاهين الكثير من المقارنات بشعرها، موضحا البحور التي استندت إليها الشاعرة أثناء كتابتها لقصائدها.
أما بالنسبة للقافية فهي كما استشهد شاهين بقول الشاعرة ذاتها «إن القافية بقيت ملكة تتحكم في الشعر، فلم يخرج عنها شاعر معروف» ثم تعود وتقول في موضع آخر «بدأ العرب يتخلصون من عبء القافية الموحدة ذات الرنين العالي من عصور بعيدة فنشأ الموشح والبند فنون الشعر الشعبي.
وإذا كانت تجربة الشعر المرسل لم تتسع إلا أن العرب نجحوا في الخروج على القافية نحو ما أسمته الشاعرة تعدد القوافي، وهو بالفعل ما غلب على نصوص لمطولة هذه فالشاعرة عمدت إلى تنوع القوافي واتبعت نظاما خاصا بها وهو اكتفاء كل بيتين بقافية واحدة، وكان هذا له أسبابه على المستوى الفني لأنه يطلق الشاعرة ويعطيها حرية المعنى والاختيار على مستوى الملافيظ المطلوبة خاصة وأنها تكتب مطولة شعرية بمئات الأبيات».
واختتم الدكتور رسول محمد رسول القراءات النقدية بمداخلة بعنوان «نازك الملائكة وإشكالية المرأة العربية بين الحرية والجمال» قال نازك الملائكة من 1922 إلى 2007 بدأت حياتها الإبداعية شاعرة تكتب القصيدة العمودية مأساة الحياة وعاشقة الليل لكنها سرعان ما شرعت بكتابة قصيدة الشعر الحر كما تسميها في ديوانها شظايا ورماد، وبعيدا عن معمارية القول الشعري كانت الملائكة وعلى الصعيد المضموني قريبة من القول الشعري الفلسفي في مرحلة بدت فيها الإنسانية من حولها تعاني ويلات الحرب العالمية الثانية التي أدت، من بين ما أدت على الصعيد الفكري إلى صعود نجم الفلسفة الوجودية في أوروبا وتأثرت بالفيلسوف الألماني شوبنهاور عنه قالت بعد أن كتبت مطولتها الشعرية (مأساة الحياة):
«يدل عنوان قصيدتي على تشاؤمي المطلق وشعوري بأن الحياة كلها ألم وإبهام وتعقيد، واتخذت للقصيدة شعارا يكشف عن فلسفتي فيها هو كلمات للفيلسوف المتشائم شوبنهاور، والواقع أن تشاؤمي قد فاق تشاؤم شوبنهاور نفسه».
وفي العام 1965 كشفت الملائكة عن زوال آرائها التشاؤمية ( وحلول الإيمان بالله والاطمئنان إلى الحياة ).
وبعد نكسة 1967 كانت متغيرات الواقع العربي المأساوية عنصرا جاذبا لكثير من المبدعين العرب، وكان الحال في العراق لا يختلف عن بقية الدول العربية من حيث تداعيات النكسة على المنطقة، وكانت حرية المرأة العربية واحدة من تلك الإشكاليات وهذا ما دفع الملائكة إلى إلقاء محاضرة في جامعة البصرة بعنوان «مآخذ اجتماعية على حياة المرأة العربية».
وانتقل د. رسول إلى تحليل بعض المفاهيم عند نازك مثل مفهوم الحرية، ومفهوم الجمال إذ قال:
«إذا كانت الحرية تعد نظرة جديدة وأصيلة إلى الأشياء تفرضها حاجات الإنسان الروحية، فإن رؤية الملائكة إلى الجمال لا تكاد تختلف فكلاهما شعور وإحساس داخلي ولذلك تقول عن هذا الجمال: «إنه جمال ينبع من الروح الكبيرة المستوعبة، والذهن الحر المرن، والقلب النابض الرقيق، وهو جمال الخلق الكريم والعذوبة، والخشوع لله والنزاهة وكبر النفس».
أما ختام الأمسية فكان بقراءة شعرية للشاعر سالم بوجمهور الذي قرأ قصيدة بعنوان إلى نازك، ليبرهن على أن كل ما قدم ما هو إلا تحية تقدير ووفاء لشاعرة كان اسمها علامة من علامات تحول الشعر العربي في العصر الحديث.
أبوظبي ـ عبير يونس

