قامت النحاتة الألمانية المعروفة «بياشتا تبويمر» بزيارة إلى سوريا، رافقها فيها سبعة نحاتين شباب من طلبتها في قسم النحت بالمدرسة العليا للفنون التشكيلية بمدينة هامبورغ، تشاركوا وسبعة طلاب دراسات عليا لدى رئيس قسم النحت بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، بانجاز معرض فني مشترك، احتضنته صالة المعارض في معهد غوته بدمشق مؤخراً، ضم نماذج من نتاجات النحاتين في البلدين.

كما تم بهذه المناسبة، إزاحة الستار عن تمثال منفذ من مادة البرونز الملون حمل اسم «انظر» نفذته النحاتة بياشتا تبويمر خصيصاً لحديقة معهد غوته في دمشق، ويمثل طفلة تقف على مجموعة من الكتب، تستقر بدورها فوق بساط الريح الذي تعتبره الفنانة رمزاً للشرق، وفوق رأسها قبعة تتطاول ارتفاعاً في السماء لتتقصى بشمعة، رمزاً وتدليلاً على ما تمنحه الثقافة للإنسان من سمو ورفعة ونور.

التمثال منفذ بالحجم الطبيعي، وبصيغة واقعية حرفية ملحاحة على أدق التفاصيل في الجسم الإنساني وثيابه والعناصر والرموز الملحقة به، وهي الصيغة التي تعتمدها النحاتة بياشتا تبويمر في أعمالها الفنية كافة. بل تذهب في بعضها إلى ما يمكن اعتباره فوق الواقعية لشدة، إلحاحها وتأكيدها على المشهد الواقعي الدقيق، ومحاولة تجسيده في الفن، وهذه النزعة لديها تطول عناصر العمل الفني كافة، بل وتذهب أحياناً إلى إضافة عناصر طبيعية إلى العمل الفني كالشعر، والثياب، وغير ذلك مما يتطلبه المشهد، ليتناهى تماماً مع الواقع.

في حوار مطول مع النحاتة بياشتا تبويمر ، أكدت أنها لا تلجأ إلى الصب مباشرة على الجسم الإنساني للحصول على هذه الواقعية الدقيقة، كما يفعل بعض النحاتين، وإنما تلجأ إلى إنجاز العمل بالصلصال، ثم تقوم بأخذ قالب سالب (نيجاتيف) ومنه تحصل على النسخة الايجابية (بوزاتيف) بمادة البرونز التي تلوّنها فيما بعد.

وهذه الألوان ـ كما أكدت ـ معالجة بحيث تدوم لسنوات طويلة، وتالياً هي مقاومة لعوامل المناخ المختلفة.

وعندما واجهتها بالقول إن أعمالها الفنية هذه، تفقد جانباً من خاصية النحت الذي عرف على مر العصور، بلونه الواحد المرتبط بلون الخامة (رخام، حجر، خشب) أو بلون المادة (برونز، اسمنت، حجر صناعي، بوليستر) التي نفذ منها. أما أعمالها، بإضافة الألوان الطبيعية إليها، فقد تماهت بالتصوير؟!

أكدت النحاتة بياشتا تبويمر أن هذا ما قصدته فعلاً، وهو أمر مشروع بعد انهيار الحدود بين تقانات الفنون التشكيلية ووسائل تعبيرها، وبين الفنون الأخرى: البصرية والسمعية، والشفاهية كالشعر والمسرح والموسيقى والصورة الضوئية وتداعياتها من تلفاز، وفيديو وانترنت، وحواسيب.. الخ.

لا تهتم النحاتة بياشتا تبويمر كثيراً بتصنيف أعمالها ضمن هذا الاتجاه الفني أو ذاك، فهي واقعية تعبيرية ورمزية، وسريالية، كما يمكن نسب فنها إلى الفنون المركبة، والمفاهيمية.. المهم عندها قناعتها بالفن الذي تشتغل عليه، ورضاها عن النتائج التي حققتها، ولديها بعد الكثير من المشاريع الفنية الجديدة والجسورة، في تشكيلها وتقاناتها.

اللافت أن غالبية طلبتها الشباب والبنات، الذين رافقوها إلى سوريا، يشتغلون على نفس الاتجاه، ما يؤكد تأثرهم بأعمالها وبالاتجاه الذي تشتغل عليه، وهو اتجاه يحاول التوفيق، بين كلاسيكية رصينة مترسخة وثابتة، في تربة الفنون التشكيلية عبر عصورها المختلفة، وبين عصر التكنولوجيا الذي فرض على هذه الفنون، خروقات، وأضافت وتقانات جديدة، لا يمكن تجاهلها، أو إشاحة النظر عنها، بل لابد من خوض غمارها، وأخذ ما يفيد ويناسب منها، إنما بكثير من التأني والمعقولية والفهم العميق، لخواص وسائل التعبير القديمة ـ الجديدة هذه.

دمشق ـ د. محمود شاهين