حمّل مثقفون مصريون مجمع البحوث الإسلامية المسؤولية عن قتل الإبداع بعد أن قاموا بمصادرة بعض الكتب والروايات والدواوين الشعرية وآخرها مجلة إبداع، وذلك في الندوة التي أقيمت بحزب التجمع بعنوان حرية الرأي والتعبير في خطر التي حاضر فيها كل من د. عبدالمنعم تليمة، والأب يوحنا، د. صلاح السردي، حلمي سالم وأحمد الشهاوي وإقبال بركة.

وأكد الشاعر حلمي سالم، الذي تم مصادرة مجلة إبداع بسبب قصيدته (شرفة ليلى مراد) على ضرورة قيام الأزهر بدوره الحقيقي بنشر الصورة الصحيحة عن الإسلام والتأثير في مفاهيم الغرب وتحسين الصورة والابتعاد عن مصادرة الأدب والفكر، موضحاً أن قانون تنظيم الأزهر يعطي له الحق فيما يتعلق بطبع المصحف ومراجعته.

ولكن علماء الأزهر أصبحوا يراقبون كل أنواع الإبداع الأدبي والمصنفات الفنية وازداد الأمر سوءاً بعد تم استصدار فتوى بأحقية الضبطية القانونية ومصادرة الكتب من المكتبات والأكشاك. وأكد أن الأصل في الحياة عامة الإبداع بصفة خاصة الحرية والإباحة ويأتي التحريم والمنع تابعاً إذا ما تعارض الإبداع كحق في قيمة وثوابته، فهنا يجب حل الصراع بالمحاورة والفكر والمقاربة، مضيفاً أن الحق لا يضاد الحق وأن الحرية هي أصلاً أولى ثوابت وقيم المجتمع، مؤكداً وأنه كشاعر لن يتخلى عن المصرية في جوهرها التي تعتني بالثقافة أيما اعتناء.

وقال الشاعر أحمد الشهاوي، الذي تعرض لمنع ديوانه (الوصايا في عشق النساء) بأنه يأخذ على الأزهر ورجاله أنهم لا يقارعون الحجة بالحجة وبالنسبة لديوانه فلم يقرأه سوى عضو واحد من أعضاء مجمع البحوث البالغ عددهم 32 عضواً هو الشيخ عبدالرحمن العدوي .

وأبدى استعداداً لمواجهة هؤلاء الأعضاء كشيوخ دين بينما هم لا يستطيعون مواجهته كشاعر. فيما انتقدت د. شيرين أبوالنجا سلطة الأزهر والنيابة على مصادرة الكتب بأنهم يستخدمون كل مرة نفس الكلمات (قصيدة مسيئة للذات الإلهية، رسوم مسيئة للرسول ضد ثوابت المجتمع).. إلخ وأنها تصنيفات جاهزة، وأكدت أن الأمر لا يعد وكونه صراعاً على من يملك السلطة وعلى من يملك حق تحديد المعرفة.

وقالت إقبال بركة: عن مصادرة كتابها (الحجاب) مؤكدة أنه طلب طردها من مصر واتحاد الكتاب منعها من الكتابة بالإضافة إلى مصادرة الكتاب وجمع النسخ من السوق، مشيرة إلى أنها لا تملك بأن تفكر بشكل حر متناسين دوماً ما في القرآن من الحث على استخدام العقل وعلى الحرية.

وأشارت إلى أنه للخروج من هذه الأزمة، فيجب على المثقفين التخلي عن السلبية وتراشق الاتهامات بينهم البعض فهم أنفسهم ضد بعضهم لا يحترمون الرأي الآخر.

وقال الأب يوحنا: إن التواصل بين الحضارات يكمن في حرية التعبير بالأدب والفكر والفن، وأن الكلمة والعقل طريق التقدم العلمي وأن هذه الحضارات قامت بجهد الإنسان وعقله واجتهاده. وأشار إلى أن قضية حرية الرأي والتعبير طرحت نفسها بشدة في العصور الوسطي عند ابن رشد، الذين يطلقون عليه في الغرب معلم أوروبا، وأن ابن رشد خر ج عن نظرية أن النص مقدس وجاء بنظرية التأويل.

وهي أن النص يحتمل معنى حرفياً ومعنى رمزياً، وأن الأوروبيين أخذوا كلام ابن رشد فحلوا مشكلة الكنيسة وورطتها فدخل الأوروبيون النهضة من الباب، الذي فتحه ابن رشد، أما العرب فقد سجنوا ابن رشد فسجنوا الكلمة والتعبير والعقل فتأخرت الحضارة العربية، وأشار إلى أن الأديان والحضارات جاءت لتقول لنا ان الإنسان مخلوق يبحث عن مصدره، فالخطيئة هي التي تكشف الصواب، وعندما تفقد الكلمة قيمتها لتتحول إلى قطيع.

وأوضح أن شروط النهضة فيما تخص الكلمة تتلخص في الاهتمام بقيمة الإنسان دون التحكم بالسلطة والمال والقمع والمصادرة، وأن حرية التعبير يفترض أن تسمح للإنسان أن يعبر بالشعر وبالنقاش وأن تراثنا الإسلامي فيه أمثله كثيرة من العصر العباسي سمحت للحرية بالازدهار فتقدمت الدولة.

وأشار د. عبدالمنعم تليمة إلى أن أساس المجتمع الحديث المؤسسات والتعددية وأن من يمنعون التعددية من أداء دورها فهم ضد المجتمع وضد تقدمه، ولكن ذلك ليس يعني الفوضى وإنما يعني الحماية والنظام، الذي يقوم جوهره على وضع شكل عام للمؤسسات الحكومية والأهلية، وأوضح أن المجتمع هو نتاج لنشاط هذه المؤسسات والجمعيات الأهلية.

وأشار إلى أن القانون المصري الحالي يحرم علينا استخدام العقل في أي شيء وأن العقل المصري وعاء حافظ لكل ما عرفته البشرية من إبداع، لأنها أقدم البشر وأن وجود مصر في التاريخ وجود ثقافي إبداعي ومحاولة لمصادرة وتقييد هذه الحرية ليس فقط ضد الإبداع والحرية وإنما ضد المصرية نفسها.

فيما أكد د. صلاح السروي أن الحرية هي قضية الوجود البقاء وأن الحرية هي أم الحضارة والتاريخ يدين بالفضل لمن ضحوا بأنفسهم من أجل حق الإنسان في المعرفة.

القاهرة ـ محمد بديوي

خدمة «وكالة الصحافة العربية»