حدثني صديقي حمزاتوف عن مذكرات كان قد أمضى زمناً عسيراً في كتاباتها، متحايلاً على طفولة كانت قد صادفته عنوة.

في العناد يخطُّ الشاعر أفضل انكساراته على بحيرة أحلامه، هذا ما قاله في بعض سطوره، أو قلتها عنه. صديقي حمزاتوف، والذي لم أقابله يوماً يدرك قصص الآخرين، يصفيها، يرتبها حسب الأصول الأبجدي، أقرأه حرفاً حرفاً، أتعلم معه حرفة الحياة.

يسألني أتجيد القراءة ما بين السطور؟ أجيبه بالطبع، ثمة حياة في الطرف الآخر من الورق. يعاتبني قائلاً: الورق بياض التجربة، وحين تشيخ يشيخ معك، لم يدرك حمزاتوف أن بيروت حين تحاورت مع المثقف الآخر في ذلك المقهى المتباعد الأطراف، كما أنه يشكل حالة التناقض هناك ما بين مثقف وآخر.

تلك الليلة استمعت إلى صديقي الشاعر يروي بغبطة عن الانقسامات الثقافية حين هزت المدينة بقصف خرافي، راحت البيوت تئن على دوي قصفٍ متواصل، تثاءب كما أنها تشعر بالنعاس. الطائرات تحلق بخفة والقصائد تتطاير هنا وهناك، ثمة قصيدة تصلح لخيمة تستر عري الحاضر، تخفف وطء اللهيب منها. البيوت لم تعد بيوتاً كما عرفناها.

هذا ما أسرّه حمزاتوف حين كان المقاومون يخطون حروفاً وحروفاً على بياض الورقة، الورقة ذاتها تصلح فراشة ترفرف بخفة صوب مدينة تحترق.

يدهشني حمزاتوف برعايته لزهر الدار، يشتكي في أحلام بعثرناها لوطن منكسر، ألملم بعض شظايا الذاكرة أقترحها إكسيراً علّنا نحمي الوطن. بيروت تلك الليلة تحتاط من الآخر، تحزم أمتعتها وجبالها، ووديانها حسب الأصول الجغرافي.

الآخر وأنا، والرصيف المقابل لخطواتنا المتعاقبة نحث الخطا صوب مدينة لم تعد تعرفنا.

أتفحص درج الذاكرة على مهل، علّني أجد قصاصة ورق تشير إلى طفولتين، هذه الطفولة صاغتني على مهل، غالباً ما أجد الباب مغلقاً فلا أطرق الباب.

الغائبون هنا وهناك مروا بفرادة، كانوا قد نسوا الدرج مشرعاً على مصراعيه.

أسأل حمزاتوف بقلق السائل، أستمطر الليلة وطناً يليق بنا جميعاً؟ يضحك قائلاً: بالطبع الوطن عصفور كل صباح.

sami Le@yahoo.com