الانتقال من الهواية إلى الاحتراف في كرة القدم يشبه الانتقال من العتمة إلى النور، والذين يخرجون من دهاليز الظلام يرون في النور عند لحظة مواجهته الأولى أمراً مزعجاً، غير أنهم كلما أمضوا فترة طويلة في تعاملهم معه يشعرون بقيمته الحقيقية.. وحدهم العميان لا يتأثرون بالنور.

تشهد الكرة الإماراتية عصراً جديداً عند تنفيذها مفردات الاحتراف، لكن هذا الأمر يحتاج صبراً ومزيداً من التأني في الحكم على الأمور الناتجة عن هذا الوضع الجديد. إن اللائحة التي عمّمها اتحاد الكرة على الأندية لم تأخذ حقها من القراءة والتحليل، وهناك من نظر إليها من زاوية ضيقة وأدلى بآرائه بناء على هذه النظرة المحدودة، ومنهم من رأى أن سلبياتها أكثر من إيجابياتها، في حين أن التدقيق في المفردات سيضعنا أمام نقلة نوعية، والذي يريد أن يخرج من العتمة إلى النور عليه أن يجعل عينيه قويتين قادرتين على تحمل شدة النور ومن ثم النظر إلى المتغيرات. روت شهرزاد للملك شهريار في إحدى ليالي «ألف ليلة وليلة» قصة الحيوانات التي ترتجف خوفاً من عقل «ابن آدم»، فقالت: هناك بطة لم تنمْ من شدة خوفها من ابن آدم، فشكت مخاوفها لصديقتها ثم شكت أمرها لأمير الغابة شبل الأسد.. ضحك الشبل كثيراً وتساءل: أي مخلوق هذا ابن آدم؟ هنا جاء الحمار واستنجد بشبل الأسد، ثم لحقه حصان، ولم يمض وقت طويل حتى وصل البعير خائفاً .. تعجب الشبل من الأمر وتساءل مجدداً: من يكون ابن آدم هذا الذي يخيف هذه الأجساد العملاقة والقوى العظمى؟

قالت الحيوانات لشبل الأسد: إنه ابن آدم لا قوة له غير قوة عقله ودهائه، وفي أثناء هذا الحديث لاح خيال رجل ضعيف البنية وفي يده عدّة نجارة وعلى رأسه ألواح خشبية، ارتجفت الحيوانات خوفاً، لكن الرجل الذي وصل لتوه طلب مساعدة شبل الأسد.

قال الشبل للرجل: ما حاجتك؟ أجاب الرجل: يا ابن سيد الغابة وزير والدك النمر طلب مني أن أبني له بيتاً يحميه من ابن آدم ومن العواصف، وهاأنذا جئت لتلبية طلبه، فأرجو أن تدلّني على مكانه.

قال الشبل: لن أسمح لك بالذهاب حتى تبني لي بيتاً!

تظاهر الرجل بالخوف من النمر فصفعه الشبل بيده وأسقطه أرضاً وضحك عليه كثيراً.

قال الرجل: عفوك مولاي، سأبني لك بيتاً. بدأ النجار بصنع البيت ثم طلب من الشبل الدخول إليه. دخل الشبل وقال: هذا صغير!

طلب الرجل النجار من الشبل أن يقرّب رجليه ويضع ذيله في الداخل، ثم أطبق عليه الغطاء.

صاح الشبل: أخرجني، فهذا ضيق لا يسعني. ضحك ابن آدم وقال: هيهات لا ينفع الندم على ما فات.

لقد وقعت في القفص.

هنا أدرك الشبل أن هذا هو ابن آدم الذي يغلب الآخرين برجاحة عقله وذكائه.

الأمثال تُضرب ولا تقاس، وفي هذه القصص التي زخر بها التراث الإنساني الكثير من العبر، ولعل عقل ابن آدم قادر على تحقيق الأهداف الصعبة من دون أن يحتاج إلى قوة عضلية خارقة أو غيرها.. من هنا نرى أن الأصوات التي تبكي زمن الهواية وهي تستعد لدخول عصر الاحتراف عليها أن تتحول إلى قوة كبيرة في جميع المجالات، فالاحتراف لا يسمح بوجود الضعفاء غير المنتجين، والعقول الإدارية المجتهدة المبدعة قادرة على تحويل أنديتها الفقيرة إلى أندية غنية.

كما أن نغمة «أندية التفريخ» يجب أن توضع في المعزوفة المناسبة، وتفريخ النجوم في عالم الاحتراف عنصر إيجابي ومهم للأندية القادرة على ذلك، لأن هذا المصنع قادر على أن يحول ناديه غنياً إذا أحسن التصرف، وإذا غيّر تفكيره انسجاماً مع المرحلة الجديدة.

البكاء من اللائحة أو من فقرة ما فيها من الأفضل أن يتوقف، وأن تجد العقول المجتهدة بدائل لمعالجة كل المعوقات الناتجة عن التحول من الهواية إلى الاحتراف، كما يُفضل الاستفادة من الخبرات القادرة على تحقيق الأهداف المطلوبة.

مَنْ يريد المضي قدماً، عليه أن يتعامل مع العقول الخبيرة القادرة على قراءة المتغيرات وعلى الأندية التي شكت ومازالت تشكو اللائحة أن تستثمر هذه المتغيرات لصالحها من أجل مستقبلها، وهذا لا يتحقق إلا بوجود عقل مجتهد.

من حق الأندية الكبيرة أن تسعى إلى تعزيز ترسانتها من النجوم في زمن الاحتراف، ومن حق الأندية الصغيرة أن تكبر وتستفيد كثيراً من التحولات الجارية حالياً في مفهوم كرة القدم.. دخلنا عصر الاحتراف، ومن يدخل هذا العصر عليه أن يعيش واقعه وألاّ يلتفت إلى الوراء كثيراً أو قليلاً.

جاسب عبدالمجيد