ما أسهل الشعر وما أوجع العاصفة،
ستنام الليلة يا صديقي بأحلامك التي لا أعرفها، أما أنا فسأحدثك عن هول العاصفة: أي عن بلادي التي جعلتني أعيد ترتيب حواسي كي أراها ثانية من رئة ناظور لا يكذب..
سأحدثك عن بلاد شيّدها خرافيون من الفقراء والسمّاكين والسمّالينَ وبائعي قشور الرمان.
عن بلادٍ تسحرني لغةُ الطيرِ فيها وأغاني الرعاة ونايات العصافير ورذاذ الندى آخر الليل.
سأحدثك عن بلابلَ يعرفن سر الحياة وحورياتٍ يترنّقُ النعاس بين أجفانهنّ كلما فاض مدُّ البحرِ وفاضَ غناءُ الصيادين.
تسحرني في بلادي البابلياتُ بناتُ النخل والموج والشط القريب. الغجرُ الذين أرّخوا البلادَ بالرباباتِ وشيدوا من أوتار الكمانات خيمة بحجم البلاد. أخواتُ دجلةَ الحالماتُ بالقوارب الذهبية وبرتقالات الفضة وأقراط الراعيات السادرات مع المراعي.
بلادي التي وهبتْ قمرَ السماءِ زينتهُ وأرّخت تاريخ الشمس على حجر لن يموت ؛ سرقوا ضحكة الطفلة فيها ؛ وبلادي التي امتشقت مطراً دافئاً في لياليها النائمات على أوتار سعف طويل. ضيّقوا سرّتها بحبر الزايرجات ورائحة الزعفران ؛
كانت بلادي حورية مدت نهاياتها إلى أقاصي الجبال وارتوت من الفرات طيفاً وناياً جنوبياً يُشعل الطيور بالهزار الأليف.
هي بهجةُ البابلي وحلم السومريات بسقسقة الفراشات على أرفف الصوابيط وذؤابات شجر الحور وندى الزيتون وماء العناقيد.
بلادي التي زهت بـ «سواد» نخلها وبياض بطها وشقرة موجها وسمرة عرائسها النحيلات. تلك بلادي صفصافةُ الشط وإيقونة الحارس الوحيد في مقبرة الأسلاف المنسيين.
نمْ يا صديقي على مراثيك القادمات وسأحدثك عن بهاء التاريخ في بلادي:
على لافتة قديمة وجد الآثاريون:
« تلك بلادي /
ما أرّقت غير أعدائها /
وما ارتوت إلا من نبعها /
وما مشطت شعرها إلا بمشط النخيل».
وعلى جدار مدرسة آيلةٍ للسقوط:
«تلك بلادي...»
غير أن انهيار الجدار محا ما تبقى من الكلمات.
إلى يمينك استدارت مقلتي لترى شكل البلاد الجديد،
والى شمالك كانت سواقي البط ظامئة والفراشات على أهبة الرحيل والأزاهير مفخخة والصبايا فقدن أثداءهن على عتبات البيوت.
تلك سدرةُ البيتِ تندبُ الغائبينَ عنها، وكلاب الحي تطاردها المسرفات.
أتلك بلادي؟
صخرةٌ هوتْ!
طوابيرُ من التوابيت!
عنزةٌ كشفت لحمها للغرباء!
سأحدثك يا صديقي عن بلاد ما عرفت غير ساكنيها ولا مدت يدها للغرباء، أما أنت فنمْ، فموعدك الغدُ تكتب، مثلي، مراثي بلادكَ...