لم تنشأ هذه المدينة بأيدينا، وإنما صنعتها ألعاب الوقت، ألعاب الحجم والمساحة والعدد، ألعاب الأوفاق والجفور. يزعم المؤرخون أن السيف والكتاب وبئر النفط كانت وراء نشوء (باصورا). خاب زعمهم! إن عشرات من الألعاب السطحية والمنظورية، وآلاف اللاعبين المحترفين، يدحضون هذا الزعم وهم يمارسون ألعابهم قرب جدران أكاديمية الوقت، الشكل الأرقى لفكرة المنظور الزائف الذي يوحد الأشياء والمسميات، كما يوحد الرحم والقبر حديّ الإنسان اللاعب بقدره في هذه المدينة.

كانت الجيوش تنتظر خلف الأسوار، فإذا فُتحت الأبواب، ومُسح وجه الأرض، بُسطت رقع جديدة من ألعاب الوقت، وانتشر اللاعبون الحقيقيون والافتراضيون في كل مكان، وارتفع الضجيج والهتاف بحياة اللاعبين الذين خرجوا من أنقاض النسخة القديمة وباشروا ألعاب الأساتذة السابقين لمدينة الوقت الطوباوية، يتساوى في ذلك الطفل الباصوري غير المسمّى، والرجل الهرم ذو الأسماء المستعارة، والجيل الأخير من لاعبي أكاديمية الوقت. وليس بين هؤلاء جميعاً لاعب حقيقي واحد يحتكر قواعد الألعاب الباصورية، فالألعاب تجذب لاعبيها إلى أوقاتهم المصممة على رقع الغرور والعظمة، أو الزهد والنسيان، كلما انقلبت نسخة من المدينة على سابقتها.

يُصنَّف لاعبو باصورا إلى ثلاثة أصناف: لاعبو السطح الوافدون من النسخ البائدة، ولاعبو الكهوف الافتراضيون، ولاعبو أكاديمية الوقت المولودون مع ولادة النسخة الجديدة من المدينة. يجوب لاعبو الصنف الأول الطرق العامة بطبولهم وصنوجهم وراياتهم، وقلما يظهر لاعبو الصنف الثاني للعيان، أما لاعبو الصنف الثالث فهم من جيل السابحين في دموع الأكاديمية التي تصب دموعها على مدار الساعة في بركة عين الحوت المصطنعة من التقاء قناتين حلزونيتين، تستمد الأولى مياهها من شط العرب وتذهب الثانية بمياه البركة إلى خليج البحر.

تغص مياه البركة بالمغتسلين كلما اقترب موسم الألعاب الصيفية، وبدأت جدران الأكاديمية المتقابلة على ضفاف البركة بصبّ دموعها العذبة والمالحة، وارتفع دوار الوقت في قوقعات آذان السابحين المنصتة لموسيقى الدموع السائلة في كل اتجاه. وفي ظني أن الأكاديمية هيأت مكاناً مثالياً لاستدرار الدموع من أربعة جدران منفصلة، تنبعج سطوحها إلى الداخل والخارج في حركة اهتزازية عمودية، يزداد تراقصها مع صبّ الدموع من ثقوب فيها وانهمار الجوهر الموسيقي منها إلى عين البركة.

وإذ ينعكس الجوهر المصبوب في عيون السابحين يرون فيما يرون ما لم يروه من ماضي باصورا المنقضي: طرق الحج والهجرة، سهولها ونخيلها، سجونها وقصورها ومساجدها ومتاحفها القبرية، مدارسها العثمانية، لهجاتها الميتة، أغنياتها الحزينة، أجساد ولاتها المصلوبة في الشمس، وثائقها وخطبها ومخطوطاتها. وبعد أن يفرغ لاوعي السابحين وتخفّ أجسادهم يطفون مثل أسماك دوختها مناورات الوقت المخادع.

وليس لاعبو الكهوف أوفر حظاً من لاعبي الأكاديمية، فقد حبس أولئك أنفسهم تحت الأرض ليستقبلوا على شاشات حواسيبهم الرسوم المتخيلة للمهندسة زهاء حديد التي (ربطت فيها بين العوالم المختلفة، بين الرسم المنظوري التقليدي الذي يجسد الأبعاد النسبية والحجم، والتخيلات الملساء المتولدة عن الكومبيوتر، ما بين عصر البيانات المثالية، والقيم الغامضة لعصر المعلومات) حسب وصف صحيفة نيويورك تايمز لرسوم المهندسة. لكن مهندسي الكهوف الباصوريين حوروا هذه الرسوم وفضاءاتها البيئية حتى بدت أكثر جموحاً وانطلاقاً في فضاء المدينة التي خربتها ألعاب الوقت قرناً بعد قرن.

أرسلت زهاء حديد لمهندسي باصورا تصميمين لجسرين طائرين، يتألف كل جسر من أربع عشرة طبقة، لنصبهما على القناتين الحلزونيتين، فتخيل لاعبو الكهوف آلافاً من البشر يتصرفون بوقتهم المثالي على الجسرين المتعددي المستويات، منفصلين عن الأرض البعيدة المختنقة بهوائها الملوث، وجذورها المتفسخة، وألعابها السطحية، وبركتها الباكية.

كنا نستدل على لاعبي الكهوف بالنظر إلى اللوحات الإعلانية المتصلة بحواسيبهم، المنصوبة في أرجاء باصورا مثل عيون لا تنطفئ في الظلام. وكنا نجهل البرامج التي تولد هذا العدد الهائل من الشخصيات والخطط والعيون المفتوحة، ونستسلم طواعية لهذا الإرسال الافتراضي لملفات اللعب الحر.

لم تُجبل ألعاب الكهوف من معدن أو حجر، وإنما من حجوم فراغية تختزن جسوماً متحركة شفافة، تفلت من لوحاتها وتندمج في فضاء الليل مثل حيّات السحرة تلتهم نفسها بنفسها. رأينا أنصاباً هوائية بلا أبعاد أو أعماق، زواحف هاربة مثل تنينات صينية، ميكانزمات ألعاب بلا قاعدة أو حدود. كانت ألعابهم تناسخات إنسانية غير مشبهة، تهويلات رقمية، عوالم تنقض عالمها، نماذج تخرب نظامها وقوامها بعد حين قصير من ظهورها.

هل كنا ـ نحن سكان باصورا ـ صوراً من هذه التبدلات العجيبة، اللابثة بضع ثوان؟ هل امتدّ بنا الدهر حتى صرنا لا نعرف لنا عمراً أو حداً أو نهاية؟ هل نحن لاعبون بلا ألعاب، ألعاب تلعب بنفسها، ولا تصلح إلا لكي تشغل فراغاً، فراغ النسخة الأخيرة من باصورا ؟ أين كنا، وأين سنذهب، ولماذا نحن هنا في هذا المكان من العالم السائل كدموع لا تنقطع عن الجريان ؟ ماذا نفعل بوقتنا، أنظل نلعب لعبة تنشئنا ولعبة تنهينا ؟

هذه خرافة صيف ملتهب الحرارة، وسكان العالم الآخر المعتدل لا يصدقون ألعابنا. بالطبع لا يصدق عاقل فطن بألعاب باصورا، أو بوجود المدينة أصلاً. نحن وحدنا من نصدق بألعاب الوقت ولا نكترث لغيرها.

mkhudayyir@yahoo.com