عن دار «ميريت» في القاهرة صدرت رواية «ن» للكاتبة المصرية سحر الموجي، وقد صدر لها من قبل «سيدة المنام» مجموعة قصصية و«دارية» رواية حصلت علي جائزة أندية الفتيات بالشارقة، و«آلهة صغيرة» ـ مجموعة قصصية ـ وتعمل حالياً مدرسة للشعر الأميركي والشعر الإنجليزي بكلية الآداب جامعة القاهرة،أنهت رسالتها للدكتوراه بعنوان «المسعي الصوفي في شعر هيلدا دوليتل» عام 2001 وكانت قد نالت درجة الماجستير عن «الرحلة الصوفية للشاعر تد هيوز» عام 1991 وهي مذيعة بالبرنامج الأوروبي بالإذاعة المصرية.

وفي رواية «ن» التي تتمحور حول أربع شخصيات رئيسية تحرص الكاتبة على بناء عملها ضمن شقين أولهما: التراث الفرعوني الذي تبدأ فيه نصها مع «حتحور» آلهة الفن والرقص والحب، أما الشق الآخر فيدور حول فكرة التصوف المطلق حيث تسعي الكاتبة للوصول بأبطالها إلى محور مشترك هو العالم الداخلي أو بعبارة أدق تحقيق قدر من الوعي الذاتي بقدراتهم الجوانية. التنقيب عنها والوصول إلى مناطق معتمة في الذات عبر التأمل والعزلة حيث هذه الطقوس تكون جزءا من السعي الروحاني وأيضا وسيلة من وسائل التصوف.لكن الكاتبة لا تقصد بالتصوف المفهوم العام له وإن كانت لا تخفي تأثرها بالمتصوف بن الفارض إلا أنها وضحت مفهومها الخاص للصوفية في حوار لها في جريدة الشرق الأوسط، قالت: هذا البعد الصوفي موجود طوال الوقت في حياتنا سواء أحسسنا به أم لا، أدركناه أم لم ندركه.

وفي مجموعتي «فضيلة الاستغناء» مثلا هناك طيلة الوقت الصراع مع النفس في نفس الوقت الذي تظهر فيه قاعدة الاستغناء وهي ألا تطلب، وهي قاعدة صوفية أصلا، ولها ما يوازيها في الصوفية الإسلامية وإن كانت أقرب لتصوراتي عن الحياة، وعن السعادة، التي أرى أنها تكمن في ألا تتوقع ما ستأتيك به الحياة، والاستغناء تصور حقيقي للسعادة، ان تستطيع أن تصل للحظة نشوة حقيقية صوفية.

وأنت وحيد تماما لمجرد أنك تجلس وتنظر إلى القمر، وتشعر بتوحد ذاتك معه، بأنكما أصبحتما شخصا واحدا، وليس اثنين، وهذا في حد ذاته بعد روحي للرحلة التي هي الحياة، لأن الحياة في تصوري ليست هي الانجاز على مستوى بالتصوف كل متصوفي العالم انطلاقا من هذا المفهوم يتحرك أبطال رواية «ن» الأربعة (سارة ـ دنيا ـ نورا ـ حسام) في رحلة بحث جوانية مستندين على قدراتهم الفنية.

سارة عبر الكتابة،دنيا تكتشف غواية التصوير وتغوص فيها،نورا تلجأ للرسم،حسام يكتشف ذاته عبر عزلة مؤقتة في الصحراء.لكن ثمة صراع حقيقي يمور بين أبطال الرواية في علاقتهم مع الواقع،فالرواية رغم تحركها ضمن خط التراث الفرعوني،وخط التصوف النفسي إلا أنها لا تبتعد في سردها عن الواقع المعاش أي أنها لا تتحرك في الماضي.

فالزمن يتقاطع في سرد «حتحور» لحكايا الأبطال ضمن مسيرة حياتهم أو علاقاتهم مع العمل أو الأسرة، «حتحور» هنا تمثل الأنا العليا للأبطال هي الآلهة الرائية العالمة بخفايا أبطالها،هي التي تقوم بفعل الكتابة كما تقوم( سارة) بإعداد بحث عن الساحرات في العصور الوسطي،فالساحرة هي الكاهنة، إنها المرأة العليمة بالخفايا وبالأسرار التي لا يبصرها الناس الغارقون في مادية الواقع الحسي.

تعيد سحر الموجي في رواية «ن» الاعتبار لمفهوم فكرة الكهانة إذ تفتتح كل فصل من روايتها بعبارات تقولها حتحور عن الأبطال الذين تراقب حياتهم وترشدهم عن بعد من دون أن يعرفوا بوجودها،تحضر في حياتهم لأنها ترى فيهم القدرة علي الاسترشاد بالكهانة، بالسحر، بالطاقة الداخلية غير المكتشفة.تقول «عبر الغريب فناء المعبد الصامت إلا من صوت قيثارة بعيدة يسمع دقات قلبه كطبلة كبيرة.سيمر أولا بكبيرة الكاهنات قبل أن يصل إلى تلك الغرفة نصف المعتمة،في قلب المعبد حيث تنتظره الكاهنة.خلع حذاءه في صمت علي عتبة الغرفة ووقف بخشوع أمام الكاهنة الأم».

لكن مقابل حتحور أيضاً هناك «سخمت» آلهة الغضب إنها الوجه الآخر «لحتحور»، سخمت هنا يتجلي ظهورها بوضوح مع شخصية «نورا» التي يتكثف فيها الاضطراب والصراع بين الواقعي الحسي والنفسي الجواني،وكما لو أنه صراع بين «حتحور» و«سخمت» وأي الوجوه التي ستستقر في داخل نورا.والكاتبة تصف هذا الجانب الأسطوري في الرواية بقولها «حتحور/ سخمت، وجهين لآلهة واحدة.

والأسطورة في «نون» ليست أيقونة أو جدارية فرعونية وإنما هي جزء من لحم الحياة اليومية للأبطال تحركهم وتبكيهم، وهي الغضب الذي يتلبسهم وسحر العشق عندما يقعون في الحب. ترفق الكاتبة مع الرواية شروحات تفصيلية للمفردات التاريخية الواردة في روايتها،ما يدل علي الجهد البحثي الذي قامت به كما توضح عنوان الرواية «ن» حيث النون هي إحدى تسميات الحوت،والنون في المعجم هي إحدى تسميات المحيط.كما تذكر أسماء الكتب وعناوين القصائد وأسماء الشعراء والكتاب الذين استعانت بعباراتهم في النص.

القاهرة ـ لنا عبد الرحمن

«وكالة الصحافة العربية»