عندما مات محمد الماغوط، الطفل الضخم المشاكس، لم تكن إلى جواره أم، لتقول له: لقد ذهب بعيداَ هذه المرة. ولو أنها كانت لما قالت له، ولأن الماغوط الطفل والشاب والكهل والعجوز، المسرحي والشاعر والروائي وصاحب الزاوية الصحافية الساحرة التي لا تبارى.. كان يذهب بعيداَ كل مرة. كل مرة.

محمد الماغوط الملول من الشمس إذا أشرقت مرتين، ومن اليوم إذا تكرر ليومين، لذاك تراه يهرول في الجهات كأنما يبتدع شمساَ.. أو يرسم يوماَ مختلفاَ ومغايراَ، وعندما لم يقدر على ذلك، التفت إلى اللغة وقام عبرها بابتداع لغة مختلفة.. أمسك عمود القصيدة أو قصيدة العمود وفكك عمارتها..

وابتدع لها سياقات مائلة ودلالات مخاتلة، وبث فيها روحاً لم تألفها وضرورات أصبحت من حقوقها.. قرأه الناس فأسكرتهم الصور والحالات والإحالات.. فلم يفكروا بسبب فتنة قصائده بشن معاركهم ضده.. وهم المكفرون المتزمتون الذين أقاموا الدنيا وما أقعدوها على رواد قصيدة التفعيلة وهي القصيدة الأكثر حذراَ وارتماءَ في أحضان قصيدة العمود ونظرية الشعر الفراهيدية .

وكان لقصيدة النثر التي يكتبها من المكانة والروح ومن الجدة والمفاجأة، أن هرع الكثيرون من المتشاعرين الذين يربكهم الوزن وتلوع مخزونهم التراثي القافية، إلى هذه البدعة الرائعة التي أطلقها الماغوط في الشعر، بغية تقليدها والسير على طريقتها.. دون أن يتمكنوا من الوصول إلى حياضها ومضاهاة فتنتها ومائها النبيل.

ويخيل للمهتم بقصيدة النثر العربية وتعدد أصواتها، وموارد التهلكة التي أوصلها إليها أصحابها، بأن الماغوط وحده من ابتدع هذا النمط من النثر الذي ارتقى وحده إلى ذروة الشعر والقصيدة، وكأنه وحده من قام بإعدام هذا الشكل من الكتابة، فكان بذلك رائد هذا النوع وقاتله. صحيح أن آخرين من المبدعين قد سبقوه في مغامرة قصيدة النثر وآخرين بعده تابعوا الطريق، ولكنه ظل وحيداً بينهم، لم يحاول اقتفاء أثر السابقين، ولم يترك للاحقين شرف المتابعة.

هذا على صعيد الشعر، أما على صعيد المسرح، فلم يكن أقل مغامرة ودأباَ وابتداعاَ، فكان وحده في مسرحه وفي سخريته، فالعمارة المسرحية التي كتب فيها، لم يحاول أحد أن يسبقه إليها.. فالمكان في مسرحه مفتت ومتشظ مثل كائنه والحوار الذي يكتبه مؤسس على سخرية مختلفة، سخرية حارة حية نابضة، وفي الوقت ذاته سخرية تبشر بالزلزلة. سخرية تفرح الروح وتقتلعها من ألفتها وتدفعها للمقصلة.

لم يتجرأ أحد في المسرح العربي المحافظ المنضبط، الموشح بالحكمة والموعظة الحسنة أن يتجرأ على الطوطم والمحاذير والسلطات كلها.. كما تجرأ الماغوط ليصوغ لنا عالماَ أكثر جدة وجمالاَ وأقل إلفة وأكثر قسوة، وقد تجلى ذلك في رائعته (المهرج) وتلاها في مسرحيته الرمزية (العصفور الأحدب) لقد كانت مسرحية المهرج..

التيمة والنموذج الذي صاغ من خلاله مجموع مسرحياته الساخرة اللاحقة، التي قدمها الفنان دريد لحام، وترددت أصداؤها في وجدان جميع المشاهدين في هذه الأمة، بوصفها فتحاَ جديدا في لغة المسرح الساخر، وجرحاَ جديدا، يذكرنا بالجراحات الأخرى، جرحاً يقوضنا تارة ويستنهض إرادتنا تارة أخرى.

والقارئ لروايته الوحيدة (الأرجوحة) الصادرة عن دار الريس والتي نشرت مسلسلة في مجلة الناقد.

يقف على روائي من نوع نادر، روائي يؤسس لجملة سردية مغايرة.. مختلفة، مملوءة بالصور وبعيدة عن الإنشاء الغربي المتداول. جملة تمور بالحركة والدلالة والمفارقة، جملة ترتبط بنسب مع مسرحه وشعره لتؤسس في الكتابة العربية شيئاَ اسمه (الجملة الماغوطية) الباهرة.

أما المتابع لزواياه الصحافية اليومية في صحيفة تشرين إبان ولادتها، والتي تداولها مع مبدع كبير آخر هو زكريا تامر.. فقد تمكنت كتابته من دفع المواطن العادي إلى دائرة القراءة، وكانت زاويته مع صديقه زكريا تامر، هي الدافع الوحيد للبحث من الصحيفة وقراءتها وكأن شيئاَ آخر في الصحيفة لم يكتب سواها.

في مقابلة أخيرة أجرتها الإعلامية ديانا جبور معه، قال: إن سبب انتسابه للحزب القومي السوري، هو أنه في مقر الحزب وجد مدفأة. ولم تكن في مقر حزب البعث آنذاك مدفأة.. لقد دفع الماغوط ثمناَ باهظاَ للدفء القليل الذي أصابه من مدفأة السياسة.. وكان الثمن أعواماَ من البرد في المعتقل فإلى روحه حياَ وميتاَ ألف سلام، وهو الذي لم تنعم روحه بأي سلام.

محمد أبو معتوق

* أديب وكاتب درامي سوري