وسط طوفان من جماهير العلم الأخضر الموشح بالهلال والنجمة الصفراء؛ تمكن الشاعر الموريتاني محمد ولد الطالب من إزاحة منافسيه والحصول على ترشيح لجنة التحكيم ليكون أول المتأهلين الستة ضمن المرحلة الثالثة من مسابقة أمير الشعراء التي تنظمها هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث؛ كما انضم الشاعر العماني محمد بن قرطاس المهري والجزائرية حنين عمر إلى قائمة الـ 15 الذين يتنافسون ضمن المرحلة الثانية ليكتمل بهما نصاب شعراء هذه المرحلة.

وقد شهدت الحلقة الأولى من المرحلة الثانية التي أقيمت على مسرح شاطئ الراحة في أبوظبي منافسة كبيرة بين الشعراء الذين أثبتوا أهليتهم للوصول إلى مراحل متقدمة من المسابقة، حيث قدموا قصيدة رئيسية وقصيدة ـ هي مجاراة ـ لرائعة الفارس الشاعر أبوفراس الحمداني «أراك عصي الدمع».كان صوت الوليد الشهري من السعودي أول الأصوات المتبارية على المسرح، حيث قدم قصيدة بعنوان «جيكور ـ سيّاب العراق» من وحي أجواء قصائد شاعر العراق الخالد بدر شاكر السياب، حيث انسابت بسلاسة أبيات الشهري لترحل بالجمهور إلى أفياء فيحاء وثغر العراق الأبدي ودار الخليل بن أحمد «البصرة» التي تعمدت بمفردات دجلة بغداد في إسقاط رمزي وواقعي في بعض الأحيان على ما يدور الآن على أرض العراق من نكبات.

وقد جمع «الشهري» بقصيدته بين ضروب مختلفة من الشعر بين العمودي والتفعيلة أبانت قدرته على استبطان الروح الحديثة للشعر من غير إخلال بالنظم الكلاسيكي ومقومات القصيدة العربية الأصيلة، أما في مجاراته لرائعة «الحمداني» فكانت قصيدة «العاشق الشرقي» بمثابة مقطوعة سيمفونية عزفها «الشهري» على وتر ينضح بالحب والعاطفة المضطربة التي تحاكي محنة الشاعر الحمداني. وفي ظل استقبال كبير من قبل الجمهور ألقت «خنساء النيل ـ روضة الحاج» تائية بعنوان «وفي ظلها يستريح القصيد» هي بمثابة ثورة أنثوية متفجرة بجروح الواقع العربي الراهن بمرارة رؤية «بنت حواء العربية» وكان من أبلغ صور «روضة» الشعرية تلك التي تنتفض فيها على الذكورية المطلقة التي غلفت المشهد الشعري العربي منذ الأزل وإلى يومنا هذا، حين خاطبت «الخنساء» معترضة على حكم النابغة في خيمته العكاظية حين قدم «حساناً» على «أم الشهداء الخنساء» في الحادثة الشهيرة تاريخياً، أما في مجاراتها لقصيدة «الحمداني» فقد وضعت «روضة الحاج» نفسها بصورة رقيقة متخيلة تعبق بالإحساس حين تصورت نفسها «الحبيبة الغامضة» التي يخاطبها الشاعر الحمداني من سجنه، وتمكنت من نسج أبيات راقية من تلك الصورة الخيالية.

شاعر الحبأما الشاعر السوري محمد عبدالمولى؛ فله مع مسابقة أمير الشعراء شأن آخر، لأنه وباعترافه من خلال قصائده وأسلوبه اللغوي شاعر «غير جماهيري» وينزع لقصائد النخبة التي ربما تحتاج إلى جمهور مثقف بثقافة عالية ـ ليس المسرح الجماهيري بأهل أن يكون من أصحابه ـ حيث قدم «عبدالمولى» في هذه الحلقة نونية على أوزان الخليل بعنوان «مفرد الشاعر ـ مثنى الحب» متماهياً فيها بنسج صوري مغرق في الرومانسية العذبة التي تحيل الكلمة إلى صورة تخرج عن نطاق هذا العالم الجامد.

مضمخاً كينونة هذا الحب الإشراقي بعذابات وآلام الاغتراب عن الوجود، وكأن الشاعر يسير حذو رائد «العذاب العربي الأول» أبوالعلاء المعري صاحب الدين الكوني الفلسفي الرابع، وفي مجاراته لقصيدة «أبو فراس الحمداني» ألقى عبد المولى قصيدة متفاخرة بعنوان «مرهف الشعر» وهي رغم التزامها الخليلي الظاهر عبر قناع الوزن والقافية والبحر؛ إلا أنها تتجاوز الكلاسيكي إلى الحداثي الذي يرفض التقييد.

كما أسلفنا أن الشاعر الموريتاني محمد ولد الطالب هو الشاعر المتأهل بين الشعراء الخمسة إلى المرحلة الثالثة من المسابقة، وقد ألقى قصيدة كلاسيكية تتخذ من قناعي «برومثيوس ـ سارق النار» وقناع «زهير بن أبي سلمى» صورة لمظهرها الخارجي، وقد التزم فيها ولد الطالب بدروس النحويين وقواعد الخليليين من حيث قوة الكلمة والمظهر الخارجي للوزن والقافية؛ إلا أنه رغم ذلك لم يقدم تحديثاً يذكر من حيث الصور أو الموسيقى الداخلية وظل موضوع القصيدة حبيساً لأزمنة كان فيها الشعر خالياً من الروح، وهذا ليس انتقاصاً من شاعرية الشاعر الموريتاني أو تقليلاً من مكانته كشاعر كلاسيكي.

ولكنه تساؤل: إن كان غرض المسابقة الشعرية ولجنة التحكيم الفاضلة تقديم أصوات تناسب القرن الحادي والعشرين، فهل سيكون مناسباً تكرار الشعر العربي لنفسه كل مرة، وهل تتطور الآداب ـ والشعر منها ـ في أمة من الأمم وهي تعيد إنتاج نفسها!! أما مجاراة ولد الطالب لقصيدة الحمداني فكانت تدخل في باب الفخر العربي بأمجاد غبرت واستنهاض لهمم ولّت عن واقعنا المعاصر فكانت «رهين قيود الروم يلهو بك الغدر» محاكاة وليس مجاراة لقصيدة أبو فراس في نفس الخط الشعري القومي.

السعدي وأحزان العراق

أما شاعر «شباب العراق الأول» خالد السعدي فقدم في أمسية الشعر الظبيانية قصيدة بعنوان «غريب المرافئ» هي أولى أن تكون في مقدمة قصائد الشعر التي ألقيت في المسابقة، فمن حيث اللغة والمفردات؛ كانت كسلسبيل وريح صبا يحنو لها «سعف نخيل العراق» بأنين وأصداء تستحضر تاريخ سبعة آلاف عام من الحضارة التي تآمر الجميع عليها، ومن حيث القافية والوزن والبحر الخليلي، فكان ملتزماً ـ دون حشو لغوي، كما يفعل بعض الشعراء ـ وكانت الكلمات طوع لسانه تنساب كمياه الفرات.

ومن حيث الصور وموسيقى النص الداخلي فهي «أنشودة مطر» جديد للعراق المعذب، ومن لم يرَ وجه العراق في تلك الليلة التي ألقى فيها السعدي فالأولى به أن يراجع «طبيب ذوق وروح وثقافة» لأن السعدي اشتغل في قصيدته هذه على صور تقدم لأول مرة في الشعر المعاصر، أما في مجاراته لقصيدة «أبو فراس الحمداني» فإن الشاعر السعدي استخدم بذكاء عال روح ووحي القصيدة، حين استخدم الأم كَمُخاطَب في القصيدة.

وإن كان البعض قد غفل عن هذا الأمر فليس غريباً؛ إما أن تغفل اللجنة ـ وجميعهم نقاد أفاضل باعتراف الجميع ـ فهو الغريب، فبمراجعة بسيطة لتاريخ أبو فراس الحمداني الشعري، نجد أن قصائده الروميات وعددها يقرب من «114» قصيدة كتبها في سجن الروم كانت في ظاهرها موجهة لابن عمه سيف الدولة؛ إلا أن جوهرها هو الخطاب المؤلم والمحزن بين الشاعر وأمه العجوز، وهو ما اشتغل عليه الشاعر السعدي بشفافية وصور تدل على ثقافة راقية من غير أن ينسى استحضار واقع الرافدين المؤلم؛ الذي أبكى صداه ملائكة السماء وشرفاء الأرض.

وتر الحس القومي

استمعنا خلال عشرات القصائد التي قدمها شعراء المسابقة في الحلقات الماضية وهذه الحلقة؛ وكان أغلبها يلعب على وتر الحس القومي والشعور العربي الذي يتفجر غضباً منذ عقود لما يجري على الأرض العربية من أحزان، ولكن مما يؤسف له؛ أن بعض الشعراء امتهن التلاعب بإحساس ومشاعر الجمهور في هذه المسابقة، فبمجرد أن يأتِ اسم «العراق ـ دجلة ـ بغداد» إلا ونرى التعاطف من الجمهور ولجنة التحكيم على السواء.

فقد صارت مأساة العراق هي الورقة الرابحة التي يلعب بها الشاعر بعد أن كانت «مأساة فلسطين» تلك الورقة لخمسة عقود، ولا ضير في ذلك لأن الشعر هو المسجل لتاريخ الأمم والشعوب، ولكن أهل المصاب أصدق إحساساً في الكلام عن مأساتهم من غيرهم، فحين قدم «مريد البرغوثي» من فلسطين قصيدته الجميلة في الحلقة الماضية كانت كلماته وقصيدته حقيقية لأن مشاعره تطابقت معها فهو من أهل الدار.

وكذلك الشاعر العراقي خالد السعدي حين يقدم نصاً عن العراق، فجروح الرافدين وأحزانه ترشح من ثنايا النص «دما بلون غروب الشمس» مكلومة بدماء أخوته وأبناء بلده، وتتوشح أبيات شعره بغبار المظلومين من أبناء الرافدين، فشعره صورة حقيقية ومشاعره لا يمكن أن تقارن بمشاعر وأبيات من يجلس على بعد آلاف الأميال في بقاع الأرض العربية ناقلاً تلك المشاعر عبر شاشات الفضائيات، ومن سوء حظ الشاعر السعدي في هذه المسابقة أنه سيكون عليه انتظار تصويت الجمهور، فهل بلد جمع «اللاءات» كلها كالعراق؛ لا ماء، لا كهرباء، لا إنترنت، لا أمن، لا حياة.. يستطيع جمهوره أن يصوت لابن العراق خالد السعدي! إنها قسمة غير عادلة كما نظن!

أبوظبي ـ محمد الأنصاري