يرسم الفنان «نصر ورور» لوحته بعناية المساحة المنفتحة على فضاء التكعيب الهندسي، وكأنَّ اللوحة عنده تصب في معين التشكيل الفرعي المؤدي إلى ازدواجية الفكرة والموضوع.

ينحاز الفنان نصر في لوحته لصالح الإنجاز الموضوعي في تشكيلاته، وكأن اللوحة عند ورور تضمر أكثر مما تبيح، لأنها متشكلة بواقع هندسي تكعيبي معقد لحد ما. في هذا اللقاء يطرح الفنان أفكاره الفنية، وعلاقته باللون والفرشاة. ـ كيف انبثقت حركة وآلية التشكيل في تجربتك الفنية؟ ـ بدأت الرسم في سن مبكرة، كنت حينها في الرابعة من عمري، والحلم بقي على حاله اليوم، بل يمكنك القول في أوج تشكله، مرحلة الطفولة التي أذكر تفاصيلها اليوم غالباً ما تحرضني، وتبعث بي هذا الحنين المخفي المشع في نافذة الماضي. كما تعلم أننا محكومون لهذا الماضي بتفاصيله، والفنان الصادق هو من يوظف تاريخه، ويوظفه ضمن أطر معينة. كما ترى في فضاء اللوحة يمكن أن تحلق مواضيع بديلة أكثر إشراقاً يقترحها الفنان كبديل عن هذا العالم المسكون بالتساؤل.

ـ وإلى أي مدرسة من مدارس الرواد تنتمي تجربتك، أو أفكارك الفنية؟ - أؤمن بان الفنان أكبر، وأكثر وعياً من أن يصنف نفسه ضمن إطار، أو أي رؤية فنية، ففي بداياتي رسمت البورتريه بأشكاله كافة، بل نقلت كل تفاصيله بعناية فائقة، إن الرسم بمنظوري هو حالة تمرين دائمة، ومتواصلة، تبقي الفنان قريباً من الشفافية إلى حد قد تدفع به صوب مناخات فنية أخرى، أظن أني انتمي إلى مدرسة الواقع التعبيري، وبالعودة إلى سؤالك جميع الرسامين الذين ساهموا بتجاربهم لم يطلقوا العنان لتسمية مدارسهم الفنية. بل قام النقاد بتسمية هذه المدارس، وتفصيلها ضمن حقب مرحلية متفاوتة.

ـ من أين تستمد مواضيعك الفنية، وهل تلعب الذاكرة الدور الأبرز عندك؟ ـ الفن هو أنقى ما يعيشه الفنان بتفاصيله، ودور الفنان يتبلور حين يستمد مواضيعه في الذاكرة، أو مخزونة الروحي، الفن بنظري هو حالة انعتاق قصوى تدفع الفنان باتجاه المجهول، وهذا المجهول يغدو في مرحلة من مراحل الرسم المغذي الرئيسي في ذاكرة اللوحة، واللون معاً، الرسم هو قصيدة شعرية متحررة يخطها الفنان بكثير من العناية المفرطة.

ـ أنت مقيم في الإمارات، ماذا يعني لك الوطن اليوم؟

ـ الوطن كالجسد تماماً، وأنا روح هذا الوطن، قد أكون رحلت عنه بعيداً اليوم، ولكن لم تزل دمشق ساكنة في شراييني كافة، وها أنا أنظر إلى وطني من منظور مغاير. الوطن نافذة تطل على العالم، تجربة الغربة قد تضيء مسالك متشعبة للفنان، وقد تفضي به إلى عوالم من نوع آخر.

ـ أيمكن القول إن القصيدة أو القصة، قد تكون بديلاً موازياً للوحة الفنية؟

ـ هاجسي كان ولم يزل لغاية اليوم بأن أترجم الحالة الفنية إلى المتلقي، والدي ككاتب ترك الأثر، الأكبر في تجربتي الفنية، ولكنه لم يعرف الشهرة في وطنه، ولكنه انتشر خارج الوطن. لدي الكثير من الكتابات في بعض اللوحات، ولكن كتبت على ورق محايد بعيدا عن فضاء اللوحة.

ـ يلاحظ أنك تركز في رسوماتك على المرأة، وتشكيل الدائرة بكل أبعادها ما المغزى من ذلك؟

ـ الدائرة لها دلالاتها الدينية، وهي بمثابة المحور والطواف، أنظر إلى الدائرة من منظور روحاني. وبالعودة إلى المرأة فهي المحور في اللوحة عندي، فكل تفاصيل المرأة موجودة في اللوحة واللون بكل أبعاده، وحدوده. كما تلاحظ في لوحاتي لا أوظف المرأة كموضوع آني بل هي اللوحة بكل تفاصيلها.

ـ إلى أي مدى أثر محيطك العائلي في تشكيل شخصيتك الفنية؟

ـ المحيط الاجتماعي أو العائلي ترك أثره الواضح عليَّ، وما يقلقني في الأمر أني مجرد عدد مكمل في العائلة، يمكنك القول كنت أعيش في فلكي الخاص، محاولاً أن أتواصل مع محيطي الاجتماعي، وأذكر أني كنت أعمل بجهد وعناء لتوفير معيشتي. أنا أؤمن بأن الفنان المرهف هو من يمر في مراحل صعبة، ولكن وحده الفنان الصادق هو من يجد أبوابا أخرى، وجديدة تفضي إلى عالم جديد.

ـ ما بين سوريا والإمارات كيف تبلور الأمر لناحية توجهاتك الفنية؟

ـ لم يتبدل أي شيء في تجربتي. فمواضيعي الفنية في سوريا تنقل دمشق والخروج منها، والخروج عندي هو الانطلاق صوب الأرحب والأشمل. ياسمين دمشق وجدرانها تشعرك بالأمان ثقافياً، ويدفعك باتجاه السلم الداخلي. دمشق كانت نافذتي المطّلة على هذا العالم الواسع. كما تلاحظ أركز في لوحاتي على رسم الأقدام لأنها ترشدك إلى درب الجلجلة. وتقودك صوب أبواب أخرى. وبالعودة إلى الإمارات فأنا أعيش اليوم في مرحلة مخاض فني وجديد، وأنا بصدد إعداد معرض فني في الإمارات يعكس صور هذا المكان بتفاصيله.

ـ هل اللون يحمل عندك الحيز الأكبر في اللوحة؟

ـ أوظف اللون ليخدم اللوحة ليس إلا. أنا مع خطوط اللوحة التي تشير إلى البعد المخفي فيها فاللون بمنظوري هو الصفاء الخالص الذي يعكس جوهر الفرح في إطار اللوحة وخارجها.

دبي ـ سامي نيال