تمتد علاقتي برواية (دون كيخوته) لسرفانتس إلى اليوم الذي اطلعت فيه على ترجمتها إلى العربية من الاسبانية، التي أنجزها شيخ المترجمين في عصرنا الدكتور عبدالرحمن بدوي، فكانت من بين عدد من الروايات، أعدت قراءتها بين وقت وآخر، منها رائعة ميلفل موبي ديك والأحمر والأسود لستندال والساعة الخامسة والعشرون للشاعر الروماني قسطنطين جورجيو وعدد من روايات دستوفسكي، وروايات عظيمة أخرى،

وقد استمعت في اسبانيا إلى من يأخذ عليها بعض المأخذ، لكنني لم أجدها مآخذ جوهرية، كما استمعت إلى من يشكك بمعرفة الدكتور بدوي باللغة الاسبانية، تؤهله لترجمة هذه الرواية الاستثنائية، مشيراً إلى صعوبة لغتها، التي تنتمي إلى القرن السادس عشر، وتشير المصادر المغربية إلى ترجمة أخرى، من الاسبانية قام بها التهامي الوزاني في أربعينات القرن العشرين، تحدث عنها إبراهيم الخطيب بإعجاب وتقدير، كما أشار الخطيب إلى ترجمات أخرى، حيث ظهرت في الجزائر ترجمة جزئية عن الفرنسية في العام 1898، وصدرت في القاهرة ترجمة موجزة في العام 1923 ، بقلم عبد القادر رشيد.

أيام إقامتي في اسبانيا، زرت (لامنشا) برفقة الشاعر الفلسطيني الدكتور محمود صبح، حيث دارت على أرضها معارك الفارس الحزين مع طواحين الهواء، حين اقتربنا من طواحين الهواء الرمزية المقامة هناك من قبل عدد من الدول، بينها العراق، وكنا طيلة الطريق من مدريد إلى لامنشا في حديث عن سرفانتس ورائعته ومصادرها، يومها سألني إن كنت أحسست عبر علاقتي بالمواطنين الأسبان، ان داخل كل واحد منهم بعض ما في دون كيخوته، فأجبته: لا أتذكر تحديداً أين قرأت، ان داخل كل إنسان أصداء (دون كيخوتية).

كان صاحبي، يتأمل في طبيعة لامنشا، ثم يقول: إن مثل هذه الطبيعة، تفعل فعلها في ظهور شخصية مثل دون كيخوته، وهذه الخاطرة يعبر عنها ج . ب بريستلي، حيث وصف الرواية (دون كيخوته)، بأنها أعظم فكرة اهتدى إليها كاتب، بقوله: (ان السيد الكهل، الذي يعيش منعزلاً في لامنشا، جعل من نفسه، بعد سنين من أحلام اليقظة وقراءة القصص الخيالية، دون كيخوته الفارس السائح، مشيداً من أوهامه بناءً، حتى أمكنه العيش فيها)، كما ورد ذلك في مقالته (اسبانيا وسرفانتس)، ويكمل بريستلي هذا الوصف ويجعل منه حالة إنسانية، لا يختص بها الفارس الحزين حيث يقول: (وهذا ما نفعله كلنا، بل ما تفعله الدنيا جميعاً، حين تتحدى الوقائع أوهاماً عزيزة).

وإذ يؤكد مؤرخو الأدب، على أنها أول رواية أوروبية، فإن هذا التأكيد يجعل منها، الجسر الأول بين الحكاية الشفهية والرواية الأوروبية المكتوبة، وإذ ينسبها سرفانتس إلى راوٍ شفهي عربي هو سيدي حامد بن الايلي، فهذا معنى كبير الأهمية، في علاقتها بالحكاية الشفهية، فهي تشير إلى لحظة تاريخية، في الوصل والقطيعة، بين المروي الشفهي والمكتوب، لذا نسبها البعض برمتها إلى الراوي الشفهي ابن الايلي، وبالغ قائلاً إن من كتبها هو الموريسكي احمد البنذنجلي، ومما يلفت النظر على هذا الصعيد، ان باحثاً اسبانياً هو خيمينيث كاباييرو تحدث عن (امكانية ان تكون الرواية من وضع مؤلف مغربي، ربما كان اسمه السيد احمد او حامد النخلي).

وعندي، ان من غير الموضوعي، الفصل بين سير فانتس ودون كيخوته، بين الكاتب وهذه الرواية، لأنها تتضمن مؤشرات سيرة ذاتية، حيث يختفي الكاتب، وراء الفارس (الخيالي) وخادمه سانشوبانثا (الواقعي) في ان واحد.

وإذا كان الكاتب ضحية حروب التعصب، التي عانى منها، وعاد إلى وطنه بعد سنين الأسر في الجزائر، وهو يحمل آثاراً جسدية ونفسيةً، ليقضي بقية عمره، في وظيفة حكومية هامشية، وفي بلدة نائية، فهو يحاول ان يضمد جراحه بقراءة قصص الفروسية والاستماع اليها، وهي التي قادته إلى كتابة روايته العظيمة، حيث دفع كيخوته فيها إلى جموح الخيال، وفي الرواية إشارة واضحة إلى الكاتب من خلال الحديث عن دون كيخوته، الذي كان ضحية ما أوحت إليه تلك القراءات، كما تحدث عن ذلك اقرباء وأصدقاء الفارس الحزين، رجل الدين والأكاديمي والحلاق، حيث نرى سرفانتس مثلما نرى دون كيخوته.

أما الموقف السلبي من المؤرخين المسلمين، فهو نتيجة متوقعة، لمن عايش عصر المؤلف، ومن ثم تجربته في الحرب والأسر، وأنها التفاتة ذكية، تلك التي عبر عنها التهامي الوزاني في إشارته إلى (ان الكتاب لا يمكن ان يفروا من تاريخهم، وان سرفانتس بشر من الناس يصيب ويخطيء، لكنه يحمي خطأه بعبقريته). اما عن اثر الثقافة العربية في سرفانتس، ومن ثم في روايته، بمصدريها المحكي والمكتوب، فهذا أمر قال به عدد من ابرز الكتاب الأسبان والعرب، وإذ حاول آخرون نقض مثل هذا الأثر، فإن رواية (دون كيخوته) تظل شاخصة ومؤثرة، بما تثير من أسئلة وأفكار وتفتح أبوابا لقراءات متوالية ومتوازية.

سأل جوليان ريوس، اكتافيوباث، ان كان يرى سيرفانتس الاشكالي والملتبس، فأجاب باث: كل عمل أدبي تعددي، لأن كل واحدٍ يقرأه قراءة مختلفة.

حميد سعيد