ترسم الفنانة هبة إدريس لوحاتها بروحية عالية ومهارة فائقة في الشفافية، ولهذا ذهبت بعيداً في فضاء السوريالية وتخومها المتنافرة. فالتقنية وعمق المنحى في اللوحة توظفهما لصالح الطير والمرأة معاً، فكلاهما تسكنهما روح تنشد الحرية والفضاء الأوسع.
تحدد هبة إدريس ملامح لوحتها في زهد في الألوان، وكأن المكان في لوحاتها لا يحتمل غنائية لونية مبالغاً بها، تدخل الفنانة الواعدة الساحة الفنية بحضور يمثل بياناً بصرياً يشير إلى إشارات ترتبط بوحي زمانها الحاضر.تعتبر هبة إدريس أن الفجر هو البطل الأساسي في لوحاتها، ولهذا يحتل الحيز الأكبر من اللوحة.ـ في هذا اللقاء تكشف هبة إدريس عن وعيها الفني وآليات اشتغالاتها الفنية: كيف انبثقت حالة التشكيل في نفسك؟ بدأت الرسم في سن مبكرة جداً، كما ساهمت الوالدة في تشجيعي وعلى صقل موهبتي، وبعد انتهائي من دراستي الثانوية أكملت الدراسة في القاهرة، وهناك تبلورت شخصيتي الفنية، ونضجت، وهذا مرده بالطبع للأجواء الفنية الصادقة التي تتوفر للفنان هناك، وهذا ما رأيته في وجوه الناس، أو من خلال بعض الحالات التي قد يصادفها الفنان فتغني تجربته الفنية.
ـ ولكنك تعملين اليوم في مجال آخر لا يمت بصلة إلى الفن ولما هذا؟ ـ صحيح أنا اعمل اليوم في مجال المصارف والمال فقط لتوفير الاستقرار المادي وحسب وهذا بدوره ساعدني للتفرغ للرسم في أوقات الفراغ، إذ أن معظم عملي الفني يكون مساء لا أخفيك أمراً أتمنى التفرغ للرسم ولكن كما تعلم يبدو الأمر مستحيلاً في الوقت الراهن، وعلى الفنان الصادق أن يتماشى مع الظروف كافة ليكون قادراً على الاستمرار في فنه. ـ وماذا تعني لك المساحة في اللوحة وفضائها؟ ـ المساحة عندي هي البانوراما ومعها يؤسس الفنان لعناصر الشخصية في فنه ومع هذه البانورامات يتشكل عندي التكوين ويبدأ هذا مع ابتكار المساحة والفكرة معاً وأنا بطبعي ميالة إلى المساحات الكبيرة لأن فيها الانطلاقة الواعية والحرة للفنان، غالباً ما أفكر في الفكرة نفسها أو الموضوع ذاته، فالبطل عندي هو فكرتي.
ـ ومن أين تستقين أفكارك؟
ـ أستقي أفكاري من موقف خاص أو موضوع سمعته فترك الأثر لديّ، أو حين أقرأ قصيدة شعر، كل هذه الأحاسيس تترجم إلى تكوين الفكرة، ولهذا أرسم دائماً بعض الاسكتشات قبل بدء الرسم على فضاء اللوحة.
ـ وإلى أيّ مدرسة من مدارس الرواد تنتمي أفكارك الفنية؟
ـ أجد نفسي في الفن السوريالي، وهذا الفن وحبي له تكوّن عندي قبل التحاقي في الجامعة، فكما قلت لك العمل الفني عندي بمثابة الحلم، وفكرته مبنية عليه، ومع هذا الحلم تترجم الأحاسيس عندي، والرسم هو كأسطورة أو قصة لها عناصر القصة من بطل، وزمن، وبانوراما خاصة بها، ومن الفنانين المفضلين لديّ سلفادور دالي مع أنني لم أرَ أعماله الفنية بشكل شخصي بل تصفحت العديد منها في الكتب التي تختص في هذا المجال.
ـ قال عنك الناقد والفنان محمد الجزائري إنّك تؤالفين في التشريح بين الجسم البشري والحيواني في الكائن ذاته، كيف تجدين هذا التوصيف؟
ـ أقوم بالمزج، أو الخلط بين الكائنات كافة، وخاصة بين الكائن الإنساني البشري، أو الكائن الحيواني. لأن الاثنين فيهما الروح، فالحيوان كائن وموجود مثلنا، ويمتلك المشاعر نفسها، وأنا أحب الطائر وأحاول معه أن أؤالف ما بينه وبين الكائن البشري، ولا عجب في ذلك فهو البطل الأساسي عند المرأة، لأن المرأة تمتلك الليونة، والحياة، والقوة والسيطرة معاً. بالطبع الرجل والمرأة هما مكملان لبعضهما البعض، ولكن تبقى المرأة هي الأساس والجوهر، وبالعودة إلى الطائر فالطائر كالمرأة تماماً يمتاز بالقوة والضعف والحرية، فكما الطائر ينشد الحرية ويبغض القفص كذلك المرأة لا تحب القيود.
ـ وما تعريفك للحرية؟
ـ هي الحياة بكل ما فيها من تفاصيل وانعتاق، وأظن أني أعيشها من خلال رسوماتي اليوم.
ـ هل يمكن أن تكون اللوحة التي ترسمينها نصاً أدبياً، أو شعرياً، بمعنى أيمكنك أن تكتفي بكتابة نص يكون موازياً لفكرة اللوحة؟
ـ لو كانت كلماتي أنا لنجحت في هذا دون شك، وعلى سبيل المثال أكتب أحياناً بعض الخواطر الأدبية، ولا أجد مانعاً في دمجها في لوحتين، ولكن كما أرى العمل الفني هو أن أوفق في التوصّل إلى الدمج ما بين المكتوب والمرسوم، وإحساس الفنان يكون صادقاً أكثر حين يقوم هو بالكتابة والرسم معاً.
ـ إلى أي مدى أثّر محيطك الاجتماعي في تبلور شخصيتك الفنية؟
ـ نحن كبشر ننتمي إلى مجتمع معيّن، وبالتالي سيترك هذا التأثير الواضح على الإنسان. نشأت في منزل يعي ما معنى الحرية، وأين تتوقف حدودها، وهذه الحرية أمدتني بالقوة، وأنا أتقبّل النقد، وأناقش في تفاصيله مع الآخر.
ـ ما بين القاهرة والإمارات كيف تبدّل الأمر لناحية توجهاتك الفنية؟
ـ في القاهرة تبلورت بداياتي الفنية، وفي مصر وجدت ساحة فنية تضج بالحياة والمتاحف والمعارض فتفتحت مع كل هذا المشهد عيناني على فن أصيل ولا عجب أن أستقي مواضيعي من مصر، لأن مصر قديمة في حضارتها، كان لكلِّ من مصر والإمارات الأثر الإيجابي على تجاربي الفنية، وبالعودة إلى مصر فقد تعرفت هناك على الكثير من الفنانين مثل «حسين جبلي» وهو من كبار فناني الغرافيك، وسنحت لي الفرصة هناك أن أشاهد معارض لفنانين آخرين كإحسان بيكار وغيره، بكلمة موجزة تعلمت في مصر كيف أحترم النقد الفني.
ـ كيف وجدت حالة التلقي من رواد المعارض التي شاركت فيها، وهل تشعرين بالرضا عن المراحل التي قطعتها؟
ـ أشعر بالفخر، وحصلت على أكثر مما أتصوّر، ويكفيني أن يقف المتلقي أمام لوحاتي ويختار من قام بالعمل رجل أم امرأة. أنا في تواصل مع الناس وأحب أن أسمع آراءهم في أعمالي الفنية.
دبي ـ سامي نيال
إضاءة
يبقى الفجر في لوحتين هو البطل أو هو الذي يشغل الحيّز الأكبر في اللوحة، وهو الروح الأساسية في بانوراما اللوحة، وهو أيضاً العنصر الجوهري الذي يبوح بالفكرة للرائي، ولهذا أعمالي السوريالية هي كفكرة تتجسّد مع الحلم، ومن خلالها أترجم أحاسيسي كما أراها.
ببب


